🖋️في مساء هادئ من أيام زيارتي إلى جدة، كنت أبحث عن لحظة صفاء… عن حديث صامت مع الطبيعة. اتجهت إلى البحر، إلى ذاك الامتداد الأزرق الذي كلما رأيته شعرت أن قلبي يتنفس.
جلست على حافة الشاطئ، تراقص قدماي الرمال، والنسيم يداعب خصلات أفكاري. البحر أمامي، واسع، عميق، مليء بالأسرار. لم يكن مجرد ماء، بل مرآة لذاكرتي.
وفجأة، لاح في ذاكرة ذهني قصة موسى عليه السلام. ذاك المشهد العظيم حين اجتمع الخوف في قلوب بني إسرائيل، والبحر أمامهم، وفرعون خلفهم، والمصير مجهول.
لكنه قالها بثقة لا يهزّها طوفان:
{كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين}.
فأمره الله بما لم يُعهد من قبل:
{فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ}.
فانشق البحر، طريقًا يابسًا، معجزة خالدة تروي قدرة الله حين تُمسك القلوب بحبله، ولا تلتفت لما يمليه المنطق البشري.
كم نحتاج هذا اليقين في لحظات الضيق!
كم من بحرٍ في حياتنا يظن العقل أنه النهاية، بينما هو في الحقيقة بداية لمعجزة.
نعم، بأمر الله انشق البحر . لا بسحرٍ، ولا بحيلة، بل بإيمان صادق.
نظرت إلى الأمواج وهي تتقدّم وتنسحب، وكأنها تقول لي:
“كلّ بحرٍ أمامك قابل للانشقاق، إن كان في قلبك يقين بمولاك.”
عدت من البحر وأنا لا أحمل فقط صورًا ومناظر، بل رسالة:
إذا كانت المعجزات قد كُتبت في البحر،
فما زالت تُكتَب في القلوب المؤمنة.
عدت من رحلتي محمّلةً بسلام داخلي، وبإيمانٍ متجدد. البحر في جدة لم يكن مجرد مشهد، بل كان درسًا… وتذكرة ..
ما زال يهمس لمن أصغى:
“الطريق لا يُفتح إلا لمن يرى ببصيرة القلب، لا بعين الواقع.
مقالات سابقة للكاتب