بين الحرمان الماضي والترف الحالي

كثيراً ما تكشف لنا سلوكيات الناس ما تخفيه أعماقهم، فليس كل ما يُعرض علينا من مظاهر البذخ والترف أو كثرة التباهي دليلاً على رسوخها في حياتهم منذ الصغر. بل الغالب أن المفرِط في إبراز أمرٍ ما، إنما يعكس في داخله قصة حرمان قديم أو جوع نفسي عميق.

فالذي يكثر تصوير الثياب الفاخرة والمركبات الفارهة والمنازل الجميلة، ربما عاش طفولة بائسة، لم يذق فيها طعم هذا النعيم، فصار حين وجده يُظهره بإلحاح، وكأنه يثأر لأيامٍ كان فيها يفتقده.

والذي يملأ حساباته بصور الموائد العامرة والمطاعم الفخمة، لعل ماضيه عرف الجوع والفاقة، حتى إذا أغناه الله، أراد أن يعلن للعالم أنه لم يعد ذاك الجائع.

أما الذي يتحدث بإسراف عن النساء وإعجابهن به، فقد يكون مرّ بسنواتٍ من التهميش والنفور، حتى إذا انفتحت له الأبواب، بالغ في اقتحامها والحديث عنها.

إن المبالغة في الإظهار قد لا تكون ترفاً بريئاً، بل صرخة من الماضي، وحنيناً إلى سد فجوةٍ تركها الحرمان.

والأنضجُ من ذلك أن نشكر الله على ما رزقنا، وأن نستمتع به بغير استعراض، فالنِعَم تحفظها القلوب الحامدة، لا الألسنة المبالغة ولا العدسات المتعطشة للتصوير.

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “بين الحرمان الماضي والترف الحالي

IBRAHIM BINHUSSEIN

قبل ٧٠ عام كان الجميع يعيش على الكفاف
والحمد لله ان انعم علينا بنعمه
والطفرة كانت عام ١٣٩٤ومنذ ذلك الوقت نعيش في نعم الله

مصطفى صديق سليهم

الأستاذ أحمد القاري،
مقالتكم لامست بصدق أعماق النفس، وكشفت بحكمة أن كثيرًا من مظاهر الترف ليست إلا صدى لحرمانٍ قديم. طرحكم راقٍ، وتحليلكم عميق، يربّي قبل أن ينتقد، ويواسي قبل أن يُشخّص.

لقد أحسنتم في التذكير بأن النِعَم تُحفظ بالحمد لا بالاستعراض، وبأن النضج الحقيقي هو في التوازن، لا في المبالغة.

شكرًا لقلمكم الذي يكتب بعين بصيرة وقلبٍ ناصح.
محبكم،
مصطفى صديق سليهم
ابو خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *