تُعَدُّ أزمة المواقف من أبرز المشاهد المتكررة في أحياء المدن، حيث يواجه سكان المباني السكنية مشكلة حقيقية في العثور على مكان آمن لسياراتهم أمام منازلهم. ورغم أن المخطط العمراني يخصص في العادة مواقف أمام المباني، إلا أن الواقع يفرض صورة أخرى؛ إذ كثيراً ما تُستغل هذه المواقف من قِبل أشخاص لا يسكنون في العمارة، خصوصاً إذا كانت البناية قريبة من مدرسة، أو مستشفى، أو إدارة حكومية. فيلجأ موظفو هذه المنشآت أو مراجِعوها إلى التوقف في المواقف الملاصقة للعمارة، تاركين سكانها يبحثون عن أماكن بديلة بعيدة.
من الناحية النظامية، هذه المواقف ليست ملكية خاصة لأصحاب العمارة، بل هي ملك عام، يخضع لإدارة الأمانات والبلديات. ومع ذلك، جرى العرف الاجتماعي والذوق العام على احترام خصوصية هذه المواقف باعتبارها حقاً معنوياً لمن يسكن المبنى. فهي أقرب ما تكون امتداداً لمسكنهم، وحرمانهم منها يخلق مشقة يومية ويُفقدهم شعور الراحة والأمان.
وتتفاقم المشكلة أحياناً حين يلجأ بعض السكان إلى وسائل غير حضارية في التعامل مع المخالفين، مثل إتلاف السيارات المتوقفة بطرق عدوانية كتفريغ الهواء من الإطارات، أو خدش الأبواب، أو حتى ترك ملاحظات مكتوبة بألفاظ مسيئة.
هذه التصرفات وإن كانت نابعة من ضيق وإحباط، إلا أنها لا تعالج المشكلة، بل تضيف إليها بعداً سلبياً آخر، وتؤدي إلى خلافات قد تتطور قانونياً أو اجتماعياً.
الحل الأمثل لهذه الظاهرة يتطلب وعياً جماعياً واحتراماً للعرف، إلى جانب تفعيل دور البلديات في تنظيم المواقف عبر التشجير أو وضع لوحات إرشادية، أو حتى تخصيص مواقف مدفوعة للمنشآت الحيوية القريبة، بحيث لا تتعارض مع حق الساكنين.
وقد جربت شخصياً استعمال لوحة صغيرة مطبوع فيها رقم الجوال الخاص بي أضعها في مكان ظاهر في حال اضطررت لاستخدام موقف مؤقت، مع إضافة عبارة لطيفة كنوع من الاعتذار.
كما أن نشر ثقافة الذوق العام والاحترام المتبادل يظل الأساس لتجاوز هذه الإشكالية؛ فكما لا يرضى أحد أن تُشغل مواقف منزله من قِبل الغرباء، ينبغي ألا يفعل ذلك بغيره.
لفتة ذوقية ..
المواقف مظهر من مظاهر احترام الحقوق وتقدير الآخرين، والمدينة المتحضرة تُقاس أيضاً بقدرة أهلها على ممارسة هذا الاحترام في تفاصيل الحياة اليومية، مهما بدت صغيرة.
أحمد القاري
مقالات سابقة للكاتب