المواقف السكنية حقك أم حق مشاع ؟

تُعَدُّ أزمة المواقف من أبرز المشاهد المتكررة في أحياء المدن، حيث يواجه سكان المباني السكنية مشكلة حقيقية في العثور على مكان آمن لسياراتهم أمام منازلهم. ورغم أن المخطط العمراني يخصص في العادة مواقف أمام المباني، إلا أن الواقع يفرض صورة أخرى؛ إذ كثيراً ما تُستغل هذه المواقف من قِبل أشخاص لا يسكنون في العمارة، خصوصاً إذا كانت البناية قريبة من مدرسة، أو مستشفى، أو إدارة حكومية. فيلجأ موظفو هذه المنشآت أو مراجِعوها إلى التوقف في المواقف الملاصقة للعمارة، تاركين سكانها يبحثون عن أماكن بديلة بعيدة.

من الناحية النظامية، هذه المواقف ليست ملكية خاصة لأصحاب العمارة، بل هي ملك عام، يخضع لإدارة الأمانات والبلديات. ومع ذلك، جرى العرف الاجتماعي والذوق العام على احترام خصوصية هذه المواقف باعتبارها حقاً معنوياً لمن يسكن المبنى. فهي أقرب ما تكون امتداداً لمسكنهم، وحرمانهم منها يخلق مشقة يومية ويُفقدهم شعور الراحة والأمان.

وتتفاقم المشكلة أحياناً حين يلجأ بعض السكان إلى وسائل غير حضارية في التعامل مع المخالفين، مثل إتلاف السيارات المتوقفة بطرق عدوانية كتفريغ الهواء من الإطارات، أو خدش الأبواب، أو حتى ترك ملاحظات مكتوبة بألفاظ مسيئة.

هذه التصرفات وإن كانت نابعة من ضيق وإحباط، إلا أنها لا تعالج المشكلة، بل تضيف إليها بعداً سلبياً آخر، وتؤدي إلى خلافات قد تتطور قانونياً أو اجتماعياً.

الحل الأمثل لهذه الظاهرة يتطلب وعياً جماعياً واحتراماً للعرف، إلى جانب تفعيل دور البلديات في تنظيم المواقف عبر التشجير أو وضع لوحات إرشادية، أو حتى تخصيص مواقف مدفوعة للمنشآت الحيوية القريبة، بحيث لا تتعارض مع حق الساكنين.

وقد جربت شخصياً استعمال لوحة صغيرة مطبوع فيها رقم الجوال الخاص بي أضعها في مكان ظاهر في حال اضطررت لاستخدام موقف مؤقت، مع إضافة عبارة لطيفة كنوع من الاعتذار.

كما أن نشر ثقافة الذوق العام والاحترام المتبادل يظل الأساس لتجاوز هذه الإشكالية؛ فكما لا يرضى أحد أن تُشغل مواقف منزله من قِبل الغرباء، ينبغي ألا يفعل ذلك بغيره.

لفتة ذوقية ..

المواقف مظهر من مظاهر احترام الحقوق وتقدير الآخرين، والمدينة المتحضرة تُقاس أيضاً بقدرة أهلها على ممارسة هذا الاحترام في تفاصيل الحياة اليومية، مهما بدت صغيرة.

 

أحمد القاري

مقالات سابقة للكاتب

6 تعليق على “المواقف السكنية حقك أم حق مشاع ؟

غير معروف

الله يجزاك خير أستاذ أحمد تعلمت منك هاذي الحركة واليوم صورة نفس الورقة بالرقم ووضعتها في السيارة الثانية

منى العلوي

مقال جميل يلامس همًّا يوميًّا يعيشه كثير من سكان المدن، وقد أحسنت في الطرح وإبراز أهمية الوعي والذوق العام في معالجة المشكلة. بالفعل، احترام المواقف يعكس احترامنا لبعضنا البعض ويجعل المدينة أكثر تحضّرًا
فشكرًا لكم على هذا الطرح القيّم
وشكرًا لهذا المقال الذي يستحق التقدير

Kinan

مقال راقي.. وأخلاق جميلة

احمد محمد الشريف

مع الأسف المواقف لا تكفي لكل السكان فبعضهم لديه سيارات بعدد أفراد المسكن وليس بعدد الشقق مما يتسبب في التعدي على مواقف الأخرين خصوصا بعد ان اصبح للنساء حق امتلاك السيارات وقيادتها
لذلك نحن في حاجة جاده لتنظيم هذه الحقوق في هذا المجال حسب الأعراف الحضارية حتى لا يقع سوء تفاهم بين السكان فالأمانات تهتم بإنسانية المدينة ولا تهتم بتنظيم مواقف السيارات

غير معروف

أنا لست مع القانون الذي يقول إن المواقف امام العمائر ليست ملكآ للعمارة فهو كلام غير منطقي وغير مقبول وهو الذي سوف يفاقم المشكلة في المجتمع فهل يعقل أن صاحب العمارة يأتي ليجد شخص ليس من سكان العمارة موقف سيارته امام المدخل الخاص بالعمارة فاين حرمة السكان وحق صاحب العمارة؟!!! المرجوا من الجهات ذات العلاقة تغيير النظام على ان يكون كل مواقف عمارة مسؤولية صاحب العمارة. شكرآ للأستاذ احمد على الطرح الراقي.

د.طلال بن عبدالله بن حسن بخش

أحسنتم أحسن الله إليكم، مقال حيوي وهام وكلنا يجب أن نتعلم كيف نتعامل مع بعضنا بأخلاق المسلم ، فالإسلام دين أخلاق ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) وأنت في مقالك ذكرت طريقة جميلة أعدها احترام لفاعلها قبل أن تكون احتراما لغيره.
( ن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده) فالطريقة التي تعاملت بها مع من يرى أنه صاحب الموقف بوضعك هذه الوريقة على تابلوه سيارتك اعتقد أنها هادفة وستحقق الكثير من الإيجابيات ، منها تخفيف غضب من يرى أن الموقف له ، احترام للمجتمع ولصاحب الورقة ن خلق جو من الود وحسن التعامل بين أفراد المجتمع.
كتب الله أجركم وزادكم علما وبركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *