الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله أرسله إلى الناس أجمعين.
أما بعد:
فمن أخطر القضايا التي تتسبب في زعزعة استقرار الأسرة وترابطها التخبيب بين الزوجين ؛ وهو إفساد العلاقة بين بينهما.
وقد جاء الوعيد في ذلك، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}، [الأحزاب: ٥٨].
وفي الحديث الذي رواه أبوداود والترمذي قال – ﷺ – ( مَنْ ضَارَّ ضَارَّ الله بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ الله عَلَيْهِ).
وفي الحديث أن النبي – ﷺ – قال : ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امرَأَةً عَلَى زَوجِهَا )، [رواه أبو داود،وصححه الألباني].
والتخبيب له صور عديدة، أشدها ضررًا وفتكًا ما يكون عبر المنصات الرقمية السوشل ميديا أو كما يطلق عليها منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، والتي أثرت على طريقة تواصلنا وعلاقاتنا، بل وعلى طريقة تفكيرنا المعرفي، وأصبحت مقاطع الفيديو القصيرة والمحتوى التفاعلي لمشاهير السوشل ميديا أفتك سلاح لقتل العلاقات الزوجية، وأبشع عقار فعّال لهدم الأسر.
فما يمارس اليوم من بعض مشاهير السوشل ميديا الذين يقدمون أنفسهم بصورة “الناصح المشفق المتعاطف” أو بصورة “خبراء التنمية البشرية” من تخبيب بجميع أشكاله القولي والفعلي والإيحائي، بتصوير حياتهم الزوجية “السعيدة” ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يخلق المقارنات بين حياة المشاهدين وحياة هؤلاء المشاهير، فيتمنى الزوج أن تكون زوجته مثل تلك الزوجة، وتتمنى الزوجة أن يكون زوجها مثل ذلك الزوج، وبالتالي تزيد المشاحنات بين الأزواج والزوجات، وتنتهي معظم الزيجات بالطلاق أو الخلع بسبب المقارنات بين المزايا الموجودة في الفيديوهات والمحتوى التفاعلي، والعيوب الموجودة في حياتهم الزوجية الواقعية.
ولا أبالغ إن قلت: أن الزوجة أكثر تأثرًا بهذه المنصات الرقمية من الزوج، لشعورها بالفراغ العاطفي والإغتراب النفسي، بحكم أن الزوج يقضي وقتًا طويلًا في العمل لتأمين احتياجات البيت والأسرة، وخاصة إذا كان الرجل من أصحاب المهن الشاقة.
فتجد أن أكثر المشاركات والتعليقات من الزوجات، وهذه بعض التعليقات والمقارنات لبعض الزوجات على بعض مقاطع المشهورين :
تقول إحداهن: ياليت زوجي يناقشني هكذا..!
وتعلق الثانية وتقول: أنا دايما أقول موضروري يكون الزواج للأبد. لم أعد أرغب بشريك في حياتي!
وتعلق الثالثة وتقول: يابختها على زوجها أنا اللي عندي عدو ورب الكعبة…!
وتعلق الرابعة وتقول: باين من كلامه ايش كثر يحبها…!
وتعلق الخامسة وتقول: معاناتي مع زوجي ينام بدري حتى في الايجازة…!
وأما السادسة والسابعة …..الخ، فيقلن : ياليت لدي زوج مثله…!
فجميعهن يشعرن بالنقص وعدم الرضا عن حياتهن الزوجية والرغبة في التشبه بحياة المشاهير ظنا منهن بأن ما يسمعنه ويشاهدنه يعبر عن واقع وحقيقة، متجاهلات أن هؤلاء لا يُظهرون إلا الجانب المشرق وأحيانا الغير حقيقي من حياتهم وخصوصياتهم، ويخفون الجانب المظلم، ولكن لدواعي الشهرة وزيادة المشاهدات يقومون بتمثيل السعادة المفتعلة أمام شاشات الكاميرات دون اكتراث بما قد ينتج عن ذلك من دمار وتشتت للأسر.
فبعد أن كانت بيوت كثير من الزوجات واحة للمودة والرحمة عامرة بالسكينة والرضا، تحولت إلى تعاسة وتسخط وعدم رضا بالحياة الزوجية رغم أنها محاطة بكثير من النعم والخيرات.
فالبحث عن الكمال في الحياة الزوجية من المفاهيم التي تغزونا في عصر كثر فيه الترف الفكري والاجتماعي، وأفرزت لنا هذه المنصات الرقمية ثقافة مشوهة في عقول بعض الزوجات، فتشكلت نبرة النقد والمقارنة؛ في التركيز على مقارنة أسوء ما في الزوج بأفضل ما يملكه ذلك المشهور من سمات، فهو بطبيعة الحال تشوه فكري جائر يقوم على معايير مغلوطه، تصنع عقليات جاحدة للنعم، ولو أنها رضيت بحسن المعشر من هذا الزوج ولو بنسبة ٦٠% لما وقعت عيونها على السلبيات، وما تجاهلت الإيجابيات، لأن طبيعة العقل البشري ما تركز عليه هو ما تنتبه له، فتتحول بالمقارنة من النظر بعين النحلة للنظر بعين الذبابة.
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ
وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيَا
ولذلك لا نتعجب إن حصل عند بعضهن تشوه معرفي بعد هذه العشرة الطويلة، فلم تعد ترى الحقيقة بصورة غير دقيقة، فبعد أن تجاوزت سن الخمسين أو الستين تجدها تتخذ قرار الانفصال عن زوجها إما بالطلاق أو بالخلع، وهذا تصرف مؤلم للزوجين والأسرة، بل وللمجتمع.
فكون المرأة تلقى الله وهي محصنة بعد هذه العمر، خيرا لها من أن تلقاه وهي مطلقة.
فقد روي عن شداد بن أوس – رضي الله عنه – وكان قد ذهب بصره قال: (زوجوني فإن رسول – ﷺ – أوصاني ألا ألقى الله عزبًا).
وروي عن معاذ – رصي الله عنه – أنه قال في مرضه الذي مات فيه: (زوجوني، إني أكره أن ألقى الله عزبًا).
لا خَيّرَ فِي هَذهِ الدُّنيَا بِلَا رَجُلٍ
فِيهِ الرفِيقُ وفِيه الصُّلحُ والسَّندُ
ففي إحصائية صادرة من وزارة العدل، ذكرها المحامي عبدالعزيز فاهد الشهراني لصحيفة المرصد عن ارتفاع نسبة الطلاق في المملكة.
وقال: “أن نسبة الطلاق مرتفعة جداً، ففي هذا العام 2025 زادت نسبة الطلاق عن العام السابق بنسبة 12.6%، أي بمعدل 157 حالة طلاق يومياً، بما يعادل حالة طلاق كل تسع دقائق في المملكة.”
وهذه أرقام مخيفة تهدد كيان الأسر وتنخر في نسيج المجتمع.
ولا شك أن في مقدمة الأسباب لظاهرة ارتفاع نسبة الطلاق، هو التأثر بمشاهير السوشل ميديا.
وهنا تظهر الحقيقة المؤلمة: من إدراك أن المقارنة ليست حقيقة مطلقة، بل هي انعكاس مُشوَّه لجزء صغير من حياة الآخرين، وحماية النفس من سمّ المقارنة تتطلب من كلا الزوجين إعادة ضبط بيئتهما الرقمية، فإن “التغذية المعرفية” شرطٌ لعقل سليم.
فما نراه اليوم على المنصات الرقمية السوسل ميديا هو مشهد مُنتقى بعناية، مثل لوحة جميلة تخفي وراءها فوضى الألوان قبل أن تكتمل، وما لم ندرك هذه الحقيقة ونعترف بها، سنظل ندور في دائرة الإنهاك النفسي التي تحرمنا من تذوق جمال ومتعة الحياة الزوجية التي تبنى على المودة والإلفة والرحمة، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.[الروم: ٢١]
فإذا وجدت هذه الصفات بينهما، صار لها أرضًا وصارت له سماءً، فصارت تتقرب إلى الله بخدمته ورعايته، وصار هو كذلك يتقرب إلى الله تعالى بخدمتها والسهر على راحتها وقضاء حوائجها.
فالمودة والإلفة والرحمة بين الزوجين تنمو وتزداد بالعشرة الطيبة، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: ١٩].
فإذا حصلت المعاشرة بالمعروف ولو بنسبة ٦٠% كما ذكرنا، حصلت المحبة والإلفة والحياة الزوجية السعيدة.
وختامًا:
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما، اللهم اجعل بيوتنا آمنة مُطمئنة، يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، تحفها الملائكة، وتتنزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، واجعلها من أسعد البيوت وأطهرها، عامرة بذكرك، شاكرة لنعمك.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حسن مهدي قاسم الريمي
مقالات سابقة للكاتب