الغوص في البحر من أجمل الرياضات في هذا العالم، رياضة اكتساح الأعماق داخل ذلك الفضاء الأزرق، الوسط المائي المائع الذي يفقد فيه الغواص شعور الجاذبية، فيخالطه إحساس بأنه رائد فضاء عالق في المدى، حين يعادل طفويته بين الوزن في خاصرته، والهواء في سترته، يشعر وكأنه في الفضاء الواسع، عندها فقط يدرك أن التنفس تحت الماء أجمل منه فوق الماء.
وأحياناً يراود الغواصين شعور عجيب.. وهو أن الكائنات البحرية والأسماك اللطيفة التي تعيش في الأعماق أصدق وألطف من كثير من الناس على اليابسة .
الغوص رياضة مثيرة ومحفزة للأدرينالين، وفيها تحديات ممتعة، تعد من الممارسات الرياضية غالية التكلفة ونادرة الحدوث، حيث لا يتمكن كل الناس من ممارستها في أي وقت .
رياضة ممزوجة بالرهبة الشديدة، وخوض تجربة العيش في بيئة ليست بيئتك، والمتعة الأشد في سبر الأغوار في العالم التحتمائي.
وهي أيضاً رياضة الهدوء والاستكنان والشجاعة، رغم كونها محاطة بالمخاطر من كل اتجاه، لذلك فإن الغواص يتعلم أن يكون دائمَ التركيز، متأملاً في كل خطوة يخطوها : نزولاً إلى العمق، أو صعوداً منه، أو سيراً في الاتجاهات الأربعة.
ورغم جمالها وروعتها، إلا أنها تتحول إلى كارثة إن خالف الغواص التعليمات العالمية التي وضعها روّاد الغوص ومنظماته منذ أن بدأ كمهنة عسكرية ثم تحوّل إلى ترفيه عبر العقود.
وهناك بعض القواعد المهمة في رياضة الغوص أذكر منها على سبيل المثال :
القاعدة الرئيسة:
تنفس باستمرار وعمق وبطء
Breathe continuously, deeply, and slowly.
وقاعدة ثانية:
غص وحيداً .. ومت وحيداً
Dive alone.. die alone.
قاعدة أخرى:
لا تغص بدون سكين
No knife, no dive
وقاعدة ضرورية:
وهي نظام الزمالة في الغوص
Buddy system
ذلك أن الغوص يتطلب وجود مرافق، هذا الزميل هو مرآة الغواص، يراقبه، ويكون متأهباً لأي حادث وملبياً احتياجاته: إن أصابه إرهاق، أو دخل في سكر الأعماق، أو انتابه ذعر (Panic)، أو حتى فرغت أسطوانته من الهواء.. عندها يسارع المرافق إلى إسعافه بالمصدر البديل للتنفس.
فالغوص رياضة الاسترخاء والراحة، وتساعد في طرد الطاقات السلبية والشحنات الضارة في الجسم، والبحر بما أنه مصبّ كل مياه العالم تختلط في محيط واحد، حاملة من أثر الناس، فإن ماءه وملحه قد يعينان – بإذن الله – في التخلص من آثار العين والحسد والأمراض الجلدية وربما السحر.
فهو استشفاء من الأعراض العضوية والروحانية، وفيه سر عجيب (الطهارة) فقد قال النبي ﷺ:
“هو الطَّهورُ ماؤُهُ”، وهو لا يحمل الخبث إذا بلغ القلتين.
أما أنا فقد اعتنقت رياضة الغوص منذ التسعينات الميلادية، ولا أزال أمارسها بشغف كما لو كنت ابن العشرين.. وأحياناً حين أكون في عمق البحر، أحدث نفسي بأنني ابن هذه البيئة لا البيئة العلوية.
فسبحان الله الذي أودع في الأرض هذه الأسرار العظيمة، وجعل ملايين الأطنان من الماء تحمل السفن العظيمة، بينما لا تستطيع أن تحمل إبرة واحدة، ويكفي أن نتأمل عظيم خلق الله سبحانه في البحر من تضاريس وتكوينات جيولوجية وألوان الشعب المرجانية وتنوع الكائنات الحية ، فكما خلق سبحانه في الجنة (الفردوس الأعلى) أودع في أعماق البحر (الفردوس الأدنى) .
والحق أن الغدر ليس في البحر – كما يقولون – وإنما الغدر غالباً في البشر – كما نقول – وهنا ندعو كل المهتمين بالرياضة إلى تجربة التلاحم مع الماء الطهور واحتضانه بكل جزء من الجسم، فلا سعادة تعدل الغوص، ولا حضن أشمل منه.
وأخيراً نؤكد أننا نستطيع أن نفعلها أعمق..
Divers do it deeper !
أحمد القاري

مقالات سابقة للكاتب