القيم البيئية بين الوعي والسلوك

من يعشق البيئة يجد في جمالها طمأنينة وسكينةً، فيأنس بفياضها وسهولها وهوائها العليل، وينعم بنضارة أراضيها واخضرارها الذي يبعث الراحة للنفس، فلا يمل من النظر إلى الطبيعة، بتناسق أشجارها ونباتاتها وشجيراتها التي تضفي حياة على الفياض الجميلة والروض العابق.

فالبيئة كانت دائمًا رفيقة الإنسان، تتأثر بصحبته كما تتأثر صحتُه بها. وعندما يُدمَّر جمالها أو تنتشر الملوثات فيها، تتحول البيئة إلى مكان منفِّر بدلًا من أن تكون ملاذًا طبيعيًا يعكس توازن الحياة. ولكن حين يعتني الإنسان بها تتحول إلى بيئة ملائمة للحياة، فتزدهر وتصبح متنفسًا للروح بفضل خُضرتها ورياضها الجميلة. فهذه المناظر تبث في النفس الطمأنينة وتوجه السلوك نحو الفعل الإيجابي؛ لينعم الإنسان بحياة هانئة مستقرة.

لم ترفض البيئة البشرية يومًا، ولم تقف حائلًا أمام حياته، بل لطالما وفرت له الملاذ الآمن بعيدًا عن صخب الحياة وهمومها، بما أكرمها الخالق من جمال طبيعي وتنوع ثري. فقد جعل الله فيها سكونًا وهدوءًا، يحتضن الإنسان ويخفف عنه عناء الأيام، سواء بين سحر الفياض الغناء أو جمال القفار الخضراء.

هواؤها النقي يبعث الشفاء للأجساد والصدور، وتعمّ السكينة على النفوس. من يحلم ببيئة نظيفة يحميها من كل عبث أو تهديد، يكافح الاحتطاب الجائر، والرعي المضر؛ ليمنع عنها التحول لبيئة غير مرحبٍ بها لأي كائن حي.

أن نجعل البيئة قضيةً مشتركة بيننا، ونتبنى حمايتها كثقافة وسلوك إيجابي، هو ما يضمن لنا عدم القبول بأي عبث يهدد جمالها أو يضر بأشجارها. هذه القيم تحثنا على التكاتف لحماية البيئة؛ لأننا ندرك قيمتها الكبرى وأثرها علينا وعلى حياتنا. فالحفاظ عليها يعني ألا نقبل اقتلاع شجرة أو العبث برياض أو تهجير طير أو حيوان. فالبيئة ليست مجرد مكان؛ إنها تكامل الأدوار التي حددها الله لكل مخلوق على الأرض، وفقدان أي جزء منها يؤدي إلى خلل يعمّ الحياة بأكملها.
 
إن سلوك الإنسان الذي يتحول إلى عدوانية تجاه البيئة ومكوناتها يعكس قصورًا واضحًا في الوعي البيئي وعدم تقدير ما تحمله من خيراتٍ لنا. فالتدمير الناتج عن هذا السلوك يؤثر مباشرة على الإنسان وعلى الطبيعة بشكل غير مباشر. بالمقابل، فإن عناية الإنسان بالبيئة تجلب له السعادة والاستقرار، بينما إهمالها ينقلب عليه.

إنَّ المحافظة على البيئة استثمار في مستقبل الإنسان وتنمية مستدامة تضمن الحفاظ على الموارد للجيل الحالي والأجيال القادمة من خلال القيم البيئية التي يجب أن تتجسد في سلوكنا ، وترتفع قيمة التربية البيئية التي تسعى لتنمية الوعي بأهمية العلاقة بين الإنسان وبيئته وتهدف التعليمات التربوية إلى منح الأفراد القدرة على فهم هذه العلاقة واستغلال البيئة بشكل أمثل مع تطويرها وحمايتها.

فالقيم البيئية هي أساس يحكم سلوك الأفراد تجاه البيئة، مع تعزيز شعورهم بالمسؤولية نحو الحفاظ عليها وتنميتها. وتشمل هذه القيم ضبط السلوك البيئي وتشجيع ترشيد الموارد ومكافحة التلوث، وتفعيل هذه القيم في المناهج التعليمية لتحقيق استدامة بيئية.

 
‏‎أ.د. محمد بن حارب الشريف الدلبحي
عضو هيئة التدريس بجامعة شقراء

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *