🖋️انقضت أيام عزاء عمي سريعاً، كما تنقضي عادة أيام العزاء، لكنها لم تمضِ من داخلي بالسرعة ذاتها. فالأيام الثلاثة المليئة بالوجوه، بالدعوات، وبالدموع، رحلت تاركة وراءها فراغاً كبيراً، وسكوناً لا يملؤه أحد.
العزاء يمضي، والناس تعود إلى بيوتها، لكن أهل الفقيد يبقون وحدهم أمام الغياب.
لحظات الصبر التي يتقاسمها الجميع تتحول بعد انفضاضهم إلى مواجهة صامتة مع حقيقة الفقد. عندها يدرك القلب أن الموت لا يُختزل في أيام معدودة، بل يظل أثراً ممتداً، يطرق الذاكرة في كل موقف ويوقظ المشاعر في كل مناسبة يمر اسبوع على موته وعادت الجمعة بذكرى موته وذكريات البكاء والحزن الذي عم الجميع..
نعم إن رحيل عمي لم يكن مجرد حدث عابر في سجل الأيام، بل محطة تستوقفني للتأمل في معنى الحياة وقصرها. ذكرني أن العمر مهما طال فهو قصير، وأن الإنسان لا يُذكر بكثرة ما جمع، بل بما زرع من أثر طيب وما ترك من دعاء صادق في قلوب محبيه.
ومهما انقضت الأيام وتباعدت، يبقى الدعاء لغة الوصل التي لا تنقطع بين الأحياء والراحلين. فلعل في كل دعوة بالرحمة، وفي كل دمعة صدق، حياةً أخرى للفقيد في وجدان من عرفوه وأحبوه ..
وأخيراً..
تمضي الأيام وتبقى الذكرى، ويغيب الراحل عن أعيننا لكنه لا يغيب عن قلوبنا ولا عن دعواتنا.
إن الفقد مهما كان مؤلمًا يعلّمنا أن نتمسك بمن نحب في حياتهم، وأن نُكثِر لهم من الدعاء بعد رحيلهم، لعل ذلك يكون لنا ولهم وصلاً ورحمة.
ويبقى عزاؤنا الأكبر أن رحمة الله أوسع من أحزاننا، وأن لقاءنا بهم عند رب رحيم وعد عباده المخلصين بالجنة والخلود فيها رحمك الله عمي ورحم الله أمي وجميع موتى المسلمين..
مقالات سابقة للكاتب