ها هو تشرين يأتي على مهل، يجرُّ خلفه غبار الصيف وأحلامه الذائبة، ويعلّق على أغصان الشجر وشاحاً من ذهبٍ ذابل، كأنّ الطبيعة تتأنّق للوداع، وتتجهّز لطقوس العناق الأولى مع البرد.
في تشرين تهدأ الأرض.. تستعيد أنفاسها بعد لهاث الشمس، وتبدأ الحكايات المبللة بالمطر.
تتسلل البرودة من بين الأصابع، فتوقظ في القلب شعوراً دافئاً كان قد نسيه منذ عام.
ثم يأتي أكتوبر .. طفل الخريف الحالم، يطرق أبواب النوافذ المبللة، ويهمس :
أنا بداية الحنين، وأول الحروف التي تُكتب على بخار الزجاج.
يضحك الغيم، ويغسل وجه المدينة، ويعلّم الناس أن المطر ليس حزناً، بل غُسلٌ للأرواح.
قيل في تشرين إنه موسم العشاق، وقيل في أكتوبر إنه موعد الودّ القديم، حيث تُزهر في الصدور ذكرياتٌ ما زالت رطبة، كأنها لم تُفارق الأمس بعد.
ثم يأتي الشتاء .. بكل ما فيه من تناقضٍ جميل؛ بردٌ في الهواء، ونارٌ في العيون، صمتٌ في الطرقات، وهمسٌ في القلوب.
في الشتاء، تقترب الأرواح بلا استئذان، يُشعل الحنين مدافئه، وتتوهّج المشاعر كأنها جمرة حبٍّ في صقيع العمر.
الشتاء حميم .. يقرّب الأجسام كما يقرّب الأرواح، يجعل النظرات أطول، والكلمات أدفأ، والأحضان أصدق.
في الشتاء، نحبّ بصمتٍ يشبه الهتان، ونشتاق كما تشتاق الغيوم إلى الانهمار.
يقول محمود درويش :
” للحنين فصل مدلل هو الشتاء، يولد من قطرات الماء الأولى على عشب يابس، وللحنينِ صوتٌ يشبهُ إلى حدٍّ بعيد صوت المطر على الزجاج، وفي كل شتاء يوجعك فرح غائب، وتمشي تحت المطر واحداً في اثنين .. أنت ومن كُنْتَه في شتاء آخر”.
تشرين، وأكتوبر، والشتاء..
ثلاثة مواسم لقلبٍ واحد،
قلبٍ يذوب بالحنين، ويشتعل بالبرد .. فما أجمل أن يحل فصله ببرده، حين يكون في القلب أحدٌ يشعل لنا دفئه.
أحمد القاري
مقالات سابقة للكاتب