العطر ذاكرة الروح والوجع

العطور لغة صامتة تُنعش الحس وتداعب الذاكرة وتغزل خيوط المزاج بلطفٍ، عبقها كالمعزوفات العالمية، فلا تكاد تفرق بين بيتهوفن وديفين، وبين موزارت وبلازير، وأثرها لا يُرى ولكنه يُغيّر كل محيطاً حوله. كل نفحة منها تحمل في طيّاتها قصة، وكل عبير يفتح باباً من الماضي أو يزرع مزاجاً جديداً في القلب.

للعطور تأثير على مزاج الإنسان؛ فهو قادر على تحويل حالته النفسية كما يبدّل الغيم لون السماء، فحين تلامس أنفاس الورد أو الياسمين أو الحمضيات روحك، ينتعش فيك الإحساس بالصفاء.

أما العطور الثقيلة الحارة، كالعنبر والعود والمسك، فتستدعي السكينة وتحتضن الحزن كصديقٍ قديم يفهمك ويربت على كتفك.

العطور لا تغيّر ما تشعر به فقط! ، بل تصنع سعادة يومك، فالإنسان في لحظة غضب إن لامست أنفه رائحة مهدئة كالفانيليا أو اللافندر، خمدت ثورته دون وعي منه. والعطر البهيج قادر على إشعال السعادة كما تشعل قنديلاً في غرفةٍ معتمة.

وعن ألوان العطور ومعانيها وتأثيرها، نجدها انعكاساً للطباع والروح :

– الأزرق: رمز الهدوء والنقاء والصفاء الذهني، وغالباً ما يدل على عطورٍ باردةٍ منعشة.

– الأخضر: يوحي بالطبيعة والسكينة والانتعاش، كروائح الأعشاب والمطر.

– الذهبي والعنّابي: دلالة على الفخامة والدفء والقوة، وغالباً ترتبط بالعطور الحارة الشرقية.

– الوردي والبنفسجي: عنوان للرومانسية والنعومة والمشاعر الحالمة.

– الشفاف أو الفضي: يشير إلى النقاء والبساطة والصفاء الداخلي.

العطور الحارة تشتعل في الشتاء وتناسب الأرواح التي تميل إلى العمق، بينما الباردة ترفرف في الصيف وتناسب من يحبّ الخفة والانطلاق.

إن رائحة العطور مقترنة بأكثر الحواس اتصالاً بالذاكرة. قد تنسى وجهاً أو صوتاً، لكنك لا تنسى رائحته! إنها توقظ فيك الماضي كما يوقظ المطر رائحة التراب.. قد تُعيدك رائحة عطر إلى حضن أمك، أو إلى لحظة وداعٍ موجعة، أو إلى حبٍّ انتهى وبقي عبيره يسكن في أعماقك، الرائحة تذكّرك بالزمن وتُعيدك إليه.

والإسلام جعل الطيب من مكارم الأخلاق وسنن الفطرة، فقد كان النبي ﷺ من أحب الناس إلى الطيب، لا يردّه، وقال: «حُبِّب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة»، وكان يأمر بالتطيّب بعد الغُسل، وقبل الصلاة والجمعة والعيد.
وقال الشافعي: ليس في الطيب سَرَف.
وقال بعضهم: لو أنفق المسلم ثلث ماله على الطيب لما كان مسرفاً .
وجاء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهُ – أنه قال:
” لو كنتُ تاجراً ما اخترتُ غير العِطر، إن فاتني رِبحُه لم يفُتنِ رِيحُه ” فالطيب في الشرع ليس ترفاً مادياً، بل طهارةٌ حسية ومعنوية، ورائحةٌ تعبّر عن نظافة الظاهر وجمال الباطن، وعلامة حسية على رفعة ذوق العاطر.

منذ القدم تغزّل الشعراء بالعطر وجعلوه رمزاً للحب والذكريات. وههنا يصف نزار قباني العطر ويراه موسيقى سائلة، وتوقيعاً شخصياً، ورائحة تجعل العالم يتغير.. يقول: إن رائحة العطر تجعل الأبعاد أكبر، وتأخذ الإنسان إلى عالم آخر، وتصبح كل الأشياء ذات صوت ونبض، كما في قصيدته “حوار مع سفرجلتين” وقصائد أخرى مثل “لجسمك عطرٌ خطير النوايا”.

وقال أحدهم:
يا من بحثت عن العطور جميلها
ليكن لعطرك في الأنام نسيما

فالعطر عندهم وسيلة قولٍ بلا صوت، ورسالةُ شوقٍ من دون قلم.

وهناك فرق بين العطور النسائية والرجالية؛ فالعطور النسائية تُبنى غالباً على الزهور والفواكه والفانيليا واللمسات الحلوة التي تعكس الرقة والأنوثة، بينما العطور الرجالية تعتمد على الأخشاب والتوابل والجلود والعنبر، لتعكس القوة والصلابة. لكن هذا التقسيم اليوم بدأ يتلاشى، لأن العطر في النهاية حالة شعورية لا تُحدّدها الأجناس بل الأحاسيس.

ويجدر الإشارة إلى تاريخ اختراع العطور الكحولية والسبب في اختراعها، فقد كانت ملكة هنغاريا إليزابيث في القرن الرابع عشر هي من صنعت لها عطراً ممزوجاً بالكحول ليكون أكثر ثباتاً وانتشاراً، وسُمّي “ماء هنغاريا”.. لكن فرنسا كانت من طوّرت هذا الفن حتى أصبح صناعةً راقية.
وسبب انتشار العطور الكحولية في فرنسا يعود إلى رغبة الناس في التخلص من روائح المدن المزدحمة، ولبحث الطبقة الأرستقراطية عن وسيلةٍ تجمع النظافة بالأناقة، فكانت الكحول أفضل حاملٍ للعطر وأطول بقاءً على الجلد.

العطر زينة الأجسام، وراحة الأرواح.. ذاكرةٌ متجسدة في قارورة، يشبه الأمل: لا يُرى، لكن يُشعَر به. وربّ عطرٍ مرّ على قلبك فذكّرك بمن تحب، أو واساك في لحظة انكسار، فالعطر في جوهره كما قال أحد الحكماء: “هو شكل من أشكال الدعاء، لا يُرفع إلى السماء، بل يتصاعد إلى الروح.

أحمد القاري

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “العطر ذاكرة الروح والوجع

مشبب ناصر المقبل

انعم وأكرم عرّاب الكلمة الاستاذ احمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *