خليص في التاريخ المنسي ( ٢١ )

قراءة في الذاكرة 

في كل المصادر التاريخية لـِخليص، أو التي عُنيت به — على حد علمي — منذ أن ذكره أول مرة الوزير عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي صاحب معجم «ما استعجم»، نقلاً عن كلام “صاحب المناسك” من أهل القرن الثالث الهجري؛ حتى يوم الناس هذا: لم ألتقِ بـ”المهدلي” لا موقعاً جغرافياً، ولا نصاً تاريخياً، ولا رواية شعبية كاملة.

وقد كنتُ معنيّاً به لغرابة وجود طقس (شركي) أولاً: في مكان لم تتواجد فيه — على أرضه وبين ناسه — طوائف مذهبية، وطرُق صوفية، وعلى تماس مع طريق الهجرة، ومسافة قريبة من (مكة والمدينة). وثانياً: بين قبائل يشغلها النزاع عن توطين الخرافة، وتشغلها مصالح المعاش عن المغالبة والغلوّ في التدين. ولا نَعرفُ (مقامات) تُشدُّ لها الرحال في ظلّ النزوح، والعمل بالرعي والزراعة. إن مثل هذه (الطقوس) الولائية، وتقديس المقامات، لا تشيع إلا في بيئات الاستقرار، وسياقات تاريخية، وسردية تراثية ضالة، وانتشار الطرق الصوفية: كما في مصر حيث مقامات الإمام الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، ومقام السيد البدوي، ومقام أبي الحسن الشاذلي، ومقام إبراهيم الدسوقي، والجامع الرفاعي… إلخ. وجميعها نشأت في مصر من محبة آل البيت، والصالحين، وازدهرت مع الطرق الصوفية، وتشجيع الحكام على بناء المقامات؛ حتى أصبحت رموزاً دينية وروحية واجتماعية.

قبل استقرار المغاربة في خليص، كانت المنطقة مأهولة: ارتادها على التوالي ‘هذيل’ — لحيان — خزاعة — بنو سليم؛ حتى استقرت بها حرب ببطونها المختلفة: ومنهم المغاربة؛ لذا يستعصي تحديد أول من اتخذ من (المهدلي) رمزاً دينياً وروحياً واجتماعياً، وكيف تمكنت هذه الرمزية من التسلل إلى الوجدان الشعبي! يذكرك (المهدلي) بـشجرة (الذئب) في العيينة بنجد التي قطعها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في حروبه ضد الشرك. ويمثل (المهدلي) في التوصيف بتلك الشجرة؛ حيث تُعلّق (المناسل — الشطايب = المقصوصة من القِماش) على أطراف المقام، وعلى مسافة تُدْرِكها عينُ الزائر، ويصلها نفسُه الزكيّ، ويربطون بها أمانيهم المعبرة عن احتياجاتهم: بنية رفعها إلى السماء عن طريق صاحب المقام. و(مهدلي) خليص — حسب ما تبقى من الذاكرة الشفوية — عبارة عن مدفن في الشمال، على ظهر جبل، قريب من الأحياء المأهولة — في دائرة ما يُسمّى الآن (العزيزية). يسعون إليه مشاة دون راحلة. وأغلب زوّاره من (النساء) كما جاء في الرواية الشعبية!!!

لكن ما يثير الاستغراب، ويحتاج إلى تقصٍّ من المشتغِلين بالتاريخ، وتفكيك بنية التدين في المأثور الشعبي: أن الإشارة الوحيدة لـ(المهدلي) جاءت في كتاب «التحفة المسكية في الرحلة المكية» للمؤلّف: عبد الله بن حسين السويدي البغدادي — 1174 هـ — صفحة (128). ذكر — أثناء عودته من المدينة وصولاً إلى مستورة — ما يلي: “وفي مستورة وقُبيل طلوع الشمس على قبة الجمالة المستورة: يزعمون أن فيها قبر بنت عنترة بن شدّاد العبسي، والصحيح ما أخبرني بعض الثقات أنه قبر وليّ من أولياء الله تعالى يُقال له (المهدلي)!!!”
والسؤال المشروع: هل ظاهرة (المهدلي) كوليّ صالح — ارتبط شيوعها بالسياق التاريخي لطريق الهجرة، وسردية المعجزات؟ أو أن السويدي البغدادي التبس عليه تحديد مدفن (المهدلي)، خاصة وأنه مرّ بخليص في طريقه إلى مكة قادماً من المدينة؟

 

محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *