عندما خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان خلقه لغاية عظيمة وجمله بالعقل والإدراك والتفكر وأودع فيه طاقة هائلة غير كل المخلوقات اذ ميزه بالعقل ، لذلك قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ذلك الكتاب الذي (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”، هي دعوة للتأمل في الخلق وفي تكوين هذه الدنيا وما فيها من آيات وعلامات تدل على صانع وخالق قدير فيتعمق الإنسان في إيمانه ويقينه ويدرك ماهية الكون وما فيه من آيات وعلامات وعبر من أصغر ذرة الى أكبر مجرة، والسياحة في الأرض لا ينبغي إن تكون لرفاهية النفس فقط بل يجب أن تكون أولاً وقبل كل شيء للتأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض وما بث الله فيهما من عظيم قدرته وجميل صنعه والتنقل في الأرض ، كذلك يكون في كثير من الأحيان هو الخلاص من أذى الناس والتحول الى مكان يجد فيه المرء هدوئه وسكينته فالوحده أحياناً تكون خيراً من التجمع الذي لا طائل منه وليس ورائه سوى الأسى والحزن والضيق لذلك نرى بعض الحكماء من شعراء وفلاسفة اتقنوا وصف هذه الحالة بحكمة وحنكة فلنستمع الى ما قاله ذلك الشاعر الجاهلي الشنفرى الأزدي وهو عمرو بن مالك الأزدي من الشعراء الصعاليك في لامية العرب يقول في هذا السياق :-
وفي الأَرضِ مَنأى لِلكَريمِ عَنِ الأَذى
وَفيها لِمَن خافَ القِلى مُتَعَزَّلُ
أنّ الأرض تتسع لكل مَن يقبل عليها فارًا من شباك الأذى والمذلة التي قد يقع فيها المرء بسبب أقرب الناس إليه،
ويقول أيصاً :-
لَعَمرُكَ ما في الأَرضِ ضيقٌ عَلى اِمرئٍ
سَرى راغِبًا أَو راهِبًا وَهوَ يَعقِلُ
مُؤكّدًا ما يؤمله من السلامة وحسن الجوار الذي سيلاقيه عند رحيله، فالأرض رحبة ولن تضيق بهؤلاء الذين يسرون إليها ليلًا طامحين بالراحة والسلامة من أذى الناس، ولا بهؤلاء الذين فرّوا إليها وقد رهبوا ما لا يلائمهم من فعال الناس، وفي الأبيات السابقة كمية كبيرة من الفوائد في التنقل والتغيير فالأرض لن تضيق أبدا بمن ترحل من مكان الى آخر بغية التغير ورؤية أناس ووجوه غير التي اعتاد عليها الإنسان وربما يدخلك المكوث في مكان واحد في الملل والضيق وكما صاغ الشاعر الشفنفرى حكمتة في البيتين السابقين وهي من قصيدة طويلة مليئة بالحكمة والرأي السديد، كذلك صاغ الشاعر الطغرائي…
وهو مؤيد الدين أبو إسماعيل الحسين بن علي الطغرائي في لامية العجم يحث الإنسان أن يتنقل وما في التنقل من فوائد جمة فيقول :-
فيمَ الإقامُة بالزوراءِ لا سَكَني
بها ولا ناقتي فيها ولا جَملي
ثم يختم لاميته بتحفيز المرء والشباب بشكل خاص أنه لم يُخلق الإنسان للكسل والركون الى حياة الدعة الخمول والكسل وحب الراحة فيقول:-
قد رشَّحوك لأمرٍ إنْ فطِنتَ لهُ
فاربأْ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ
نعم يجب على المرء أن يربأ بنفسه عن سفاسف الأمور ويتطلع دائما الى معاليها
وكما قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي :-
“ومَن يَتَهَيَّب صعود الجبالِ
يَعِشْ أبدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَر”
والإنسان يجب أن يكون ذا طموع عالي وأن ينظر دائما الى قمم الأمور الأ يرى النسور والصقور والعقبان تبني اعشاشها في قمم الجبال وكما قال الشاعر إيليا أبو ماضي :-
إن الطيور تذود عن اوكارها
أتكون أعقل منكم الأطيار
إبراهيم يحيى ابو ليلى
مقالات سابقة للكاتب