التنمّر الرقمي هادم الشخصية

التنمر هذا الوحش الذي خرج من شاشات الهواتف لينهش أرواح الناس بحروفٍ باردةٍ تُطلق كالرصاص، في زمنٍ توسّعت فيه رقعة السوشال ميديا، وصار التنمّر أسهل من شرب الماء، وأقسى من طعنةٍ في الظهر، بضغطة زر يستطيع أحدهم أن يهدم ثقة إنسانٍ في نفسه، أو يشوّه سمعته، أو يزرع في قلبه خوفاً من العالم كله.

في الماضي، كان المتنمّر يحتاج إلى مواجهةٍ مباشرة، أما اليوم فيكفيه حسابٌ مجهول، وجرأةٌ زائفة، وبعضٌ منْ قلة الأدب، يتخفّى خلف الأسماء المستعارة، يكتب ما يشاء بقسوةٍ دون أن يرمش له جفن، أو يؤنبه ضمير .

ومع اتساع المنصّات، لم يعد التنمّر مقتصراً على الأفراد، بل تجاوز ذلك إلى الجماعات، والمجتمعات، بل وحتى الدول.. كلماتٌ ساخرة أو حملة تشويهٍ رقمية قد تزرع الكراهية بين الشعوب وتفتح أبواب الفتن.

إن خطر التنمّر الرقمي لا يقف عند عدد التعليقات الجارحة، بل يتعداه إلى عدد النفوس التي تكسّرت، فضحاياه يعيشون القلق، والاكتئاب، والعزلة، وربما يختفون فجأةً عن العالم لأنهم لم يحتملوا هذا الضغط النفسي، إنّه نوع من القتل المعنوي، يسرق البسمة ويُطفئ الحماس ويحوّل الإنترنت من فضاءٍ للتواصل إلى صحراء جافة صامتة.

وعلاجه لا يكون بالصمت ولا بالانسحاب.. فأول خطوة هي الوعي، أن يفهم الناس أنّ السخرية ليست “مزاحاً”، وأن كل كلمة تُقال عبر الشاشة قد تكون آخر ما يسمعه أحدهم قبل أن ينهار.

التربية هنا هي خط الدفاع الأول.. تربية على الرحمة، على احترام الآخر، وعلى تحمّل اختلاف الآراء.. كذلك دور المدارس والجامعات والمنصّات الرقمية نفسها، يجب أن تطلق برامج توعيةٍ صارمة، تُشجّع على الإبلاغ وتحمي الضحايا من الوصم والنبز والهمز.. فالقوانين تلعب دوراً أساسياً في مكافحة التنمر.

ففي السعودية مثلاً يُعاقِب نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية كل من يستخدم وسائل التقنية للإساءة أو التشهير أو التهديد بالسجن والغرامة، وهو سلاحٌ قانوني يحمي كرامة الناس من العابثين.

وفي دولٍ أخرى، تزداد صرامة العقوبات لتشمل الحجب والإيقاف والتحقيق في الحسابات المسيئة.

وعندما يُبتلى الإنسان بمتنمّر، فليعلم أن السكوت عن الظلم ليس قوة. يستطيع أن يلجأ إلى السلطات والجهات الأمنية بشكوى إلكترونية، وأن يوثّق كل ما يُنشر ضده. فالقانون اليوم أكثر وعياً بخطورة الكلمة الإلكترونية، ولا يتهاون في ردع من يتعدّى حدودها.

وفي النهاية، يبقى الإنترنت مرآةً لأخلاق البشر: إن كانوا نبلاء، أضاءت كلماتهم، وإن كانوا مؤذين احترقت الصفحات بهم، ولعل أجمل انتصارٍ على المتنمّر هو ألا نصبح مثله.. أن نردّ الوعي على الجهل، والحكمة على القسوة، والخلق الحسن على الإساءة.

فالكلمة مسؤولية، ومن يكتبها لا يزرع في الفضاء الإلكتروني مجرد حروف، بل يزرع في النفوس أثراً قد يبقى إلى الأبد.

أحمد القاري

مقالات سابقة للكاتب

9 تعليق على “التنمّر الرقمي هادم الشخصية

محمد عبدالصمد الكاتب

جزاك الله خيرا. ونفع بك. مقال ممتاز

هيثم احمد

التنمر اصبح تسلية ولهو للكثير من النفوس المريضة . اصبح مرض متفشي في المجتمعات

م. بنهل البلوشي

نص جميل ومؤثر تناول قضية التنمر باسلوب قوي وواع جمع بين التوعية والانسانية وابراز خطر الكلمة واهمية الوعي والمسؤولية باسلوب راق معبر وفقكم الله استاذ احمد

سعد

جزاك الله خير الجزاء

يونس لال

أبدعت في صياغة مقالٍ يأسر القارئ من أول سطر حتى النهاية. أسلوبك سلس، وأفكارك مرتبة، والطرح عميق دون تعقيد. استطعت أن تمزج بين المعلومات الدقيقة واللمسة الأدبية التي تضفي على النص روحًا خاصة. شكرًا لك على هذا الإبداع الذي يُثري المحتوى العربي ويحفّز على التفكير والتأمل

مونا النمنكاني

مقال يوجع القلب بصدق ما فيه من واقع مؤلم
فالتنمّر الرقمي يقتل الحماس بصمت ويترك خلفه أرواحًا منطفئة

مشاري الرحيلي

ما شاء الله عليك د. أحمد اشكرك على طرحك الموضوعي والرائع
فمثل هذه الظواهر السلبية يجب ان تحارب بالوعي والإدراك بأن الكلمة السيئة تبقى سيئة وإن كانت تحت مظلة المزاح والفكاهة فالكلمة لها قوتها خصوصاً ان طرحت امام الناس فكم منّ الأفراد الذين فقدُ ثقتهم وشخصيتهم وانجرفوا في دوامة الاكتئاب والعزلة بسبب تراكمات من الكلمات السلبية

م. الفضل

مقال رائع جدًا، نحتاج لمثل هذه الأحرف والمواضيع في مجتمعنا خصوصا في وقتنا المتسارع الحالي

حق مشروع

التنمر اصبح ظاهره حتى في بعض المجالس وليس حكرا على مواقع التواصل الفضائي زمان كانوا يقولوا اوزن كلامك قبل ما تتكلم لان الكلمه احينا مثل الرصاصه تقتل روح بدون حق والكلمه الطيبه تسعد روح وتجبر خاطر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *