نكهة الحياة

الأمان الظاهري… قد يسلبك لذة المغامرة وعمق المعنى.

كنتُ أجلس في أحد المطاعم المفتوحة تحت سماءٍ يغمرها المساء بلون الطمأنينة والنسيم يتسلّل بين الطاولات كأنه لمسة رقيقة توقظ في القلب شيئًا من السكون.

لفتني حديث بين رجلين يجلسان قريبًا قال أحدهما وهو ينظر إلى طبقه بإعجاب:

“هل تعرف مطعمًا ألذ من هذا؟”

أجابه الآخر وهو يبتسم: “لا أعرف.”

فقال الأول: “ولِمَ لا تجرّب مطعمًا آخر؟”

فأجابه بثقة ورضا: “لا أحب أن أغامر.”

توقّفت عند كلمته الأخيرة. بدت كأنها لمسة خفيفة لكنها أيقظت في داخلي سؤالًا قديمًا:

كم من الناس يعيشون بهذه الفلسفة دون أن يدركوا؟

من يخاف تجربة طبق جديد كيف له أن يجرؤ على خوض حياة جديدة؟

الخوف من المغامرة لا يسلبك وجبة، بل يسلبك رحلة كاملة من النكهة والمعنى.

هو ما يجعل الأيام تتشابه، والطموحات تتعب والأحلام تموت قبل أن تولد.

كم من باب أغلقناه لأننا خفنا مما قد يكون خلفه؟

وكم من فرصة دفنّاها بأيدينا لأننا تمسّكنا بما نعرف، لا بما نستحق؟

الخوف لا يحمينا من الخسارة بل يبقينا عالقين في نفس المكان.

يعطينا شعورًا زائفًا بالأمان، لكنه يخلو من الحياة، يمنحنا سلامًا بلا طعم، وراحة تشبه النوم الطويل.

إن الأمان الذي نتمسك به حين نرفض المغامرة قد يتحوّل دون أن نشعر إلى قيد ناعم.

يبدو كأنه حماية لكنه يقيّدنا عن رؤية اتساع الحياة.

نرتاح له، لكننا لا نتقدّم معه.

نلوذ به لكنه يمنعنا من التغيير.

قيد الأمان أخطر من الخطر ذاته، لأنه يخدّر فينا الحلم ويمنعنا من الانطلاق.

لكن المغامرة ليست تهوّرًا.

التهوّر أن تقفز دون أن ترى إلى أين

 أما المغامرة فهي أن تؤمن بأن لك أجنحة تستطيع بها أن تحلّق.

التهوّر اندفاع بلا وعي، أما المغامرة فهي وعي يخطو بثقة.

التهوّر صخب، بينما المغامرة هدوء شجاع.

التهوّر عبث، أما المغامرة فهي نضج.

المغامرة ليست خروجًا من الأمان بل دخولًا إلى اتساع الحياة.

هي أن تسلك طريقًا جديدًا لا لتكسر المألوف بل لتكتشف ذاتك فيه.

أن تفتح نافذة مختلفة لأنفاسك وتؤمن أن الله قد يخبّئ الخير في المجهول كما يخبّئ المطر في الغيم.

الحياة لا تُكافئ من يعيش بالحذر بل من يمتلك شجاعة التجربة.

فالذين لا يغامرون لا يخسرون، نعم…

لكنهم لا يربحون أيضًا.

جرّب أن تغامر اليوم ولو بخطوة صغيرة.

غيّر طريقك المعتاد أو ذائقتك القديمة أو فكرة ظننتها نهائية.

فربما تفتح لك مغامرة بسيطة بابًا جديدًا للحياة…

وربما نكهة مختلفة، تعيد إليك نكهة الحياة.

حسن القحطاني

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *