عمرك ملكي بالتحرر من أعبائك

هناك أعمار يمرّ المرء بها مرور العابر، وأعمار أخرى يمرّ بها كموكب المُلوك.. أما أنا.. فقد أنعم الله عليّ بمرحلة عمريّة بلغتُ فيها سعادتهم، لا وجع يشوّش صفوي، ولا مسؤولية تثقل كتفي، ولا طلبات تتوالى عليّ كالموج المتلاحق.. عمرٌ انسلختُ فيه من المنغصات، وتخفّفتُ من أعباء الأمس وما فيه من التزامات تكاد تهدّ الصبر وتستنزف القلب.

في هذا العمر، يتحرّر الإنسان من القيود غير المرئية التي ظلّ يجرّها سنوات طويلة ؛ من واجبات الأبناء والأقارب ومن توقعاتهم التي لا تنتهي، وظنونهم الآثمة وما ينبني عليها من تعمد الإساءة.

يتحرّر ليعود إلى ذاته، إلى صوته الداخلي، إلى ما تبقى من روحه الأصيلة. هنا فقط يبدأ يعيش كما ينبغي له، لا كما يفترضونه عليه.

أعيش اليوم حياة ملكيّة مكتفياً بذاتي.. حياةً يحيط بها صفاء لا يقطعه إلا حضور بعض الرفاق الذين اختبرتهم بتجارب الصحبة، وصقلتهم عبر الأيام. أولئك الذين يؤنسون وحدتي، يملؤون نهاري خفةً وبهجة، ويتقاسمون معي ساعات الليل حتى آخره.. هم صفوة الناس، وأكثرهم رجاحةً في العقل وبصيرةً بالحياة.. معهم أكون إنساناً كاملاً، خفيف الظل، مطمئن النفس، صادق الشعور.

وحين أودّعهم عند باب المنزل، أدخل إلى صومعتي الهادئة كمن يعود إلى مملكته المهيبة بالخصوصيّة.. هناك حيث يسكن الصمت أرجاءها، وتتلألأ التفاصيل الصغيرة كجواهر على رفّ يومي.. لا أسمع إلا تكتكات عقارب الساعة، ونقرات لوحة المفاتيح، وصوت تقليب صفحات الكتاب، وانتقالي بجهاز التحكم عن بعد بين القنوات التي تفتح لي بوابات سفر بلا تذاكر ولا حدود.. آخذ جولة في الأدغال، وأعدو فوق السهول، أطوف بين البحار، أحلق بين السحب وأعود إلى الأرض خفيفاً كريح المساء.

مع كل صورة ومع كل رحلة، تمتلئ روحي سعادة تنسيني ما تركه الماضي في صدري من أحزان وخدوش، وبعض الحروب التي خضتها في دوائر الأقربين، تلك المعارك الصامتة التي تحرق ولا يُرى لها دخان.. لكنها نار تستعر بالألم والقهر.

واليوم، بعد أن كسرتُ قيودها، صرتُ أعيش ملكاً في مملكتي الصغيرة، ملكاً لا يشغله إلا صحته وهدوؤه وثقافته التي ميّزته في المجتمع، وجعلته رسولاً للكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

لقد بلغتُ الهدفَ الذي كنت أظنه بعيداً.. هدفَ العيش بسلام ! هدفَ أن أنتمي إلى نفسي قبل أي أحد.. أن أغادر وكر الدبور قبل لسعته، أن أتحاشى الرصاص دون اختراقه لضلوعي، فلو بقيتُ حبيساً للأسرة الصغيرة والعائلة الكبيرة، والبيئة الهادمة بكثرة القيل والقال وصراعاتها؛ لما رأيتُ هذا النور، ولا تنفستُ هذا النقاء.. فلطالما كان الإنسان عظيماً في أعين العظماء، وضئيلاً في قرية الأقزام، وكم من مرة كان المجتمع الغريب أرحمَ بالمرء من أهله.

الحمد لله على هذه الهبة السخية الهادئة.. عمرٌ ملكيّ يستحق أن يُعاش بكل امتنان.

أحمد القاري

المدينة المنورة

مقالات سابقة للكاتب

5 تعليق على “عمرك ملكي بالتحرر من أعبائك

رغد المحسن

أستاذ أحمد ما شاء الله مقالاتك تأسر القلب وكل عنوان يشد القارئ أكثر شكراً على كلماتك اللي تحرر الروح وتخلي الواحد يحس بسلام وهدوء وفعلاً كل مقال لك له وقع مختلف يشد العقل ويشد الناظرين
شكراً لك لأنك تذكرنا أن الحرية الحقيقية تبدأ من داخلنا وأن كل كلمة صادقة لها أثر ما ينتهي

عدنان أحمد السقاف

نصٌّ بهيّ من الأستاذ أحمد القاري، يمشي فيه القلم بوقارٍ يليق بفلسفة العمر حين يتحوّل من عبءٍ إلى نعمة، ومن ركضٍ وراء الناس إلى سكينةٍ مع الذات. كتب مرحلة النضج كما تُكتب الملوك: بصوتٍ هادئ، وصدقٍ بلا ادّعاء، وتأملٍ يلمس القلب.

قلمه هنا لا يصف عمرًا فحسب، بل يروّض الضوضاء، ويُعيد للإنسان حقّه في أن يعيش لنفسه… بصفاءٍ وامتنان

f alhashimi

أحببت الفكرة التي سطرتها بكلمات هي حقا ملهمة لقد تنفست ما تتمنى أن نكون عليه
نريد هذا العصر الملكي ونراه في مجتمعنا وحيا من الخيال الذي نجري نحوه إلا أنه بعيد قليلا

مونا حبيب النمنكاني

شكرا لانك ذكرت لنا ان اجمل عمر هو ذاك الذي نملكه
لا الذي يملكونه الآخرون
سلمت كلماتك ودام لك هذا الصفاء في مملكتك الداخلية

ابوالبراء احمد فخر

الله الله على هذا الاحساس وهذه المشاعر الفياضة ..
ايه والله صدقت كل واحد منا بحاجة إلى أن يعيش عيشة الملوك بدون قيود ولا مسؤوليات ولا وجع رأس بعيد عن القيل والقال وسوء الظن من القريب والبعيد ومعارك الأقارب التي تسلبنا الهدوء والراحة .
اذا انت أنعم الله عليك وتخلصت من كل القيود وبدأت تعيش عيشت الملوك ما زال غيرك يخوض المعارك ويتحمل أعباء الحياة والمسؤولية تجاه الآخرين ..
نسأل الله أن ينعم علينا وعليكم برأحت البال والهدوء والطمأنينة في هذه الحياة والعفو والمغفرة في الأخرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *