الحب والحرب

هل حقاً كما يقال إن الحب اذا بلغ مداه وكان صادقاً وفياً يتذكر الإنسان من يحب حتى في أحلك الظروف وهل صحيح أن المحب يرى من يحب حتى حين تلمع السيوف ويشتدت أوار الحرب كما قال عنترة ابن شداد العبسي ذلك الفارس الذي كان يحمل في صدره قلب اسد فهو لا يهاب شيئاً حين تلتحم الفرسان وتتقابل الرماح فهو قد تذكر محبوبته عبلة بنت مالك التي هام بها حباً ففي معلقته التي مطلعها :-

هَل غادَرَ الشُعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ

أَم هَل عَرَفتَ الدارَ بَعدَ تَوَهُّمِ

*******

يا دارَ عَبلَةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمي

وَعَمي صَباحاً دارَ عَبلَةَ وَاِسلَمي

*******

فَوَقَفتُ فيها ناقَتي وَكَأَنَّها

فَدَنٌ لِأَقضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ

ففي غمار المعركة تذكر عبلة وتذكر وجهها وابتسامتها التي سلبت لبه فقال مخاطباً إياها لتعرف مكانتها عنده ومنزلتها بين حنايا فؤاده فهو برغم منظر الدماء التي تتناثر حوله والأشلاء التي تتطاير من اجساد الفرسان وهول الحرب فكم في الحرب من أهوال برغم ذلك كله لم يثنه تذكرها فقال :-

وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ مِنِّي وَبِيضُ الْهِنْدِ تَقْطُرُ مِنْ دَمِي

فَوَدِدْتُ تَقْبِيلَ السُّيُـوفِ لأَنَّهَا لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ الْمُتَبَسِّـمِ

فهل يُعقل هذا الفعل من شخص الا إذا تمكن الغرام منه أيما تمكن ولا ننسى أن للشعراء شطحات فكيف به اذا كان شاعراً ومحباً وفارساً كعنترة هنا تخرج هذه العبارات سلسة وصادقة فقد قال شوقي ( فصادق الحب يملي صادق الكلم).

وإذا ما تركنا عنترة وهيامه بعبلاه وأنتقلنا الى فارس آخر يتذكر محبوبته( لميسٌ) كذلك وهو يصارع الفرسان في ساحة والوغى الحرب الضروس دائرة والمعارك الضارية تطحن الفرسان طحناً كما تطحن الرحا حبات القمح إنه ابا ثور عمرو بن معدي كرب الزبيدي ذلك الفارس الهمام وسيفه الأسطوري (الصمصامة) والذي قيل عنه إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى عمرو بن معد يكرب أن يبعث إليه بسيفه المعروف بالصّمصامة، فبعث به إليه، فلما ضرب به وجده دون ما كان يبلغه عنه، فكتب إليه في ذلك، فرّد عليه: إنما بعثت إلى أمير المؤمنين بالسيف، ولم أبعث بالساعد الذي يضرب به. عجيب هذا الفارس نعم هو كذلك يتذكر محبوبته (لميس) في أشد هيجان الحرب فيقول:

قومٌ إذا لَبِسُوا الحديدَ 

تَنَمَّرُوا حَلَقا وقِدَّا

******

كلُّ امرئٍ يجري إلى

يوم الهِياجِ بما استعَدَّا

******

لمّا رأيتُ نساءَنا

يَفحَصنَ بالمَعزاءِ شَدَّا

******

وَبَدَت لَمِيسُ كَأَنَّها

بَدرُ السماءِ إذا تَبَدَّى

******

وَبَدَت محاسِنُها التي

تَخفَى وكان الأمرُ جِدَّا

******

نازلتُ كَبشَهُمُ ولم

أرَ من نِزالِ الكبش بُدَّا

فأي قوم هؤلاء وكأن الحرب بالنسبة لهم لعب وتسلية وبكل ما فيها من أهوال فلا يمنعهم ذلك من تذكر من يحبون…

وكذلك هناك شاعر آخر وفارس مغوار هو أبو فراس الحمداني فقد خاطب محبوبته وهو في الحرب قائلا لها وهو يلومها انها أنكرته وهو من هو في فروسيته ونضاله وبسالته وإقدامه يقول:-

فَلا تُنكِريني يا اِبنَةَ العَمِّ إِنَّهُ

لِيَعرِفُ مَن أَنكَرتِهِ البَدوُ وَالحَضرُ

********

وَلا تُنكِريني إِنَّني غَيرُ مُنكِرٍ

إِذا زَلَّتِ الأَقدامُ وَاِستُنزِلَ النَصرُ

********

وَإِنّي لَجَرّارٌ لِكُلِّ كَتيبَةٍ

مُعَوَّدَةٍ أَن لايُخِلَّ بِها النَصرُ

********

وَإِنّي لَنَزّالٌ بِكُلِّ مَخوفَةٍ

كَثيرٌ إِلى نُزّالِها النَظَرُ الشَزرُ

********

فَأَظمَأُ حَتّى تَرتَوي البيضُ وَالقَنا

وَأَسغَبُ حَتّى يَشبَعَ الذِئبُ وَالنَسرُ …..

هنا لم تثني وهؤلاء الشعراء الفوارس ولم تنسهم أهوال الحرب من يحبون وحقيقة هذا هو أصدق الحب.

إبراهيم يحيى ابو ليلى

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *