قراءة في الذاكرة
القليل مما عرفناه من سيرة الشيخ حسن عبدالصمد يتجدد كنهر غزير الماء واسع المجرى؛ فلا تكاد تمسك بمعلومة حتى تليها ثانية وثالثة، كأنما قافلة من الحكايات لا يلهث خلفها الكاتب، بل تحتشد أمام ناظريه — وكلها صالحة للرواية — فلا يكاد يختار بينها.
عايشناه وهو الكبير قيمةً وقامةً ومقامًا، فحجبت الهالة التي حوله عنا كل أسئلة البدايات؛ كأنما وُلِد عظيمًا… بالصورة ذاتها التي رأيناه عليها. لقد كان بالإمكان أن نستقصي من سيرته ما غاب عنا، لكننا استغنينا به عنه؛ فلم نستوفِ من معاصريه الذين سبقونا لمعرفته إلا عناوين لفصول من قصة مولده، ونشأته، وبواكير رجولته، وبوادر الخير فيه. فقد رحلوا جميعًا، ولحقوا به؛ كأنما هم صحبته.
وهناك آخرون ممن كانت لهم علاقة مع أبيه (الشيخ عبدالصمد بن محيي الدين الشيخ)، لكننا لم نحصهم عددًا، ولم نستحضر أسماءهم لعدم وجود تاريخ مدون، أو مرشد من ورق مكتوب، أو ذاكرة حية حافظة. وإن غابت أسماؤهم عن المشهد، فقد بقي هو وحده — حيًا وميتًا — الواجهة التاريخية لذلك الزمن الجميل.
تحدثنا عنه كثيرًا، ولم نغادر مناسبة دون أن نملأها بذكره. ورغم مرور السنين (1415–1447هـ)، فإن الحديث عنه لم ينفد… وباب الاستذكار ما يزال مفتوحًا. وفي كل إعادة معنى ودلالة جديدة، كنص مقدس. ورغم أني سطّرت عنه عشرات الصفحات، فإن في ذهني تاريخًا لم يكتمل تدوينه بعد. يأتي الحديث عنه كالقوافل التي تغطي مسراها؛ فلا تدري اتجاهها… ولا في أي مكان ستنوخ. تركض أسرابًا من الأخبار تتداخل، فلا نعرف كيف نقبض زمام الحديث عنها. لقد كان — رحمه الله — تاريخًا متحركًا.
قال لي صديقي حسين محمد بافقيه متعجبًا:
«لماذا عاودتَ الكتابة عن شيخك؟!»
قالها مستغربًا، فهو قد قرأ سيرته، وأثنى عليها، وكتب دراسة عن الجزء الأول منها في صحيفة الرياض (ثقافة اليوم) يوم الخميس 23 صفر 1422هـ — العدد (12015). كان يظن أنني استوفيتها جملة وتفصيلًا، وأنني بلغت بها حدّ الكلام وسقف النهاية. لكني أحلته إلى نص ورد على مشارف الجزء الثاني من السيرة، جاء فيه ما يلي:
«وبقيت كلمة… لا؛ بل بقي من الكلام ما نعجّل قليله، ونؤجل كثيره. فقد أصبحت هذه السيرة مشروعي، كأنما اقتطعتُ مساحة من المكان، ومدًى من الزمان، وصحبة من الناس. عصرٌ بكامله: عصر الشيخ. فإن قصّرتُ فقد كنت أنوي الكمال، وحسبي أني اجتهدت… وعندي بقية من رواية.
وسلامٌ أيها الشيخ العقيلي الهاشمي.»
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب