البُطء هل هو تأخر أم وعي متزن؟

فلسفة البطء ليست مجرد حديث عن الهدوء، بل وعيًا متزنًا يفرّق بين متى نبطئ ومتى نسرع، ولماذا نحتاج البطء أحيانًا أكثر من غيره.

نحن أبناء زمنٍ يركض.. نقيس يومنا بعدد المهام، لا بعمق اللحظات، نأكل بسرعة، نكتب بسرعة، نحب بسرعة، حتى صارت مشاعرنا كوجباتٍ سريعة مشبعة، لكنها بلا طعمٍ حقيقي.

السرعة تسرق منّا التفاصيل، والتفاصيل هي التي تصنع الحياة. في العجلة نفقد جمال الطريق، وفي البطء نكتشف أننا كنا نمرّ بجوار الجمال دون أن نراه.

وفي مقولة “من يتأمل ببطء، يرى ما لا يراه المستعجل.”

البطء ليس تراجعًا، بل اختيار وعيٍ مختلف، أن تبطئ لا يعني أنك تأخّرت، بل أنك أردت أن ترى، أن تشعر، أن تتنفس.

في عالمٍ يُقاس فيه النجاح بالإنجاز السريع، يبدو البطء كفعل تمرّدٍ جميل، أن تقول للعالم: “سأعيش على إيقاع قلبي، لا على توقيت الآخرين.”

 

البطء يعلّمنا الصبر، ويكشف لنا المعاني التي تضيع حين نستعجل الفهم، هو اللحظة التي تُمسك فيها بفنجان القهوة وتصغي لصوت ارتشافها أكثر مما تفكّر في نهاية الفنجان.

تعلمت أن البطء ليس كسلاً، بل فنّ الإصغاء للحياة.

حين نبطئ، نُدرك أن الشفاء لا يحدث في يوم، وأن العلاقات لا تُبنى برسالة واحدة، وأن الإبداع لا يُولد من استعجال، بل من تأنٍ يُشبه نضوج الضوء في الفجر.

والحب.. أليس هو الآخر بحاجة إلى البطء؟ أن نعرف الآخر ببطء، أن نسمح لمشاعرنا أن تنمو دون استعجال، أن نعيش الدهشة الأولى دون خوفٍ من النهاية، في زمنٍ يُسرّع العلاقات كما يُسرّع الإنترنت، يبدو الحب البطيء أكثر صدقًا، وأقرب إلى المعنى الحقيقي للوجود.

حتى الحلم يحتاج إلى البطء، أن نحلم ببطء يعني أن نُنمّي الحلم ونرعاه، أن نصبر على نضجه كما نصبر على ثمرةٍ لم يكتمل لونها بعد.

فالأحلام التي تنضج بسرعة.. تذبل بسرعة أيضًا.

يقول نجيب محفوظ: “كل الأشياء العظيمة تبدأ صغيرة، وتنمو على مهل.

تعالوا نبطئ قليلًا، لنمشي على مهل، لننظر إلى وجوه من نحب دون أن يقطعنا إشعار الهاتف، لنقرأ صفحة واحدة بتمعّن، لنُمسك يد طفلٍ ونتأمل ضحكته بدل أن نصوّرها.

ونتشارك مع جبران خليل جبران في مقولتة: “العجلة تقتل الإحساس، والبطء يوقظه”.

 لماذا نحتاج البطء؟
نحتاج البطء حين تكون الخطوة القادمة مصيرية، حين يكون القرار أثقل من لحظةٍ انفعال، البطء يمنحنا رؤيةً أوضح، ويجعلنا نسمع صوت العقل وسط ضجيج العاطفة.

نحتاج البطء حين نكتب، كي نسمع ما تقوله الجملة لا ما نريد أن نقوله نحن.

نحتاج البطء في العلاقات الإنسانية، كي نمنح الآخر فرصة ليُظهر أجمل ما فيه قبل أن نحكم عليه.

نحتاج البطء في الشفاء، لأن الجروح العميقة لا تلتئم بالسرعة، بل بالوقت، والرفق، والصدق مع الذات.

ونحتاج البطء حين نحلم، لأن الحلم الذي يأتي على مهل، يأتي ناضجًا، يشبهنا، ويستحق أن نحيا من أجله.

“البطء ليس تأجيلًا، بل احترام لرحلة النضوج.”

ونحن نحتفي بالبطء، علينا ألا نحوله إلى سِمةٍ مطلقة، فالحياة لا تحتاج أن تكون بطيئة دائمًا.. بعض المواقف تستحق السرعة، وبعض الفرص لا تنتظر من يتأنّى طويلاً.

الحكمة أن نعرف متى نبطئ.. ومتى نُسرِع.

أن نتحرك ببطءٍ حين يكون المعنى عميقًا، لكن نُنجز بسرعة حين يكون الوقت أثمن من الانتظار.

“خيرُ الأمور أوسطُها.”

الوسطية في كل شيء هي جمال التوازن، فكما لا يُثمر العجلة إلا الفوضى، فإن البطء الزائد قد يُفقدنا اللحظة المناسبة، فلنكن كما النهر.. يمضي بهدوء، لكنه لا يتوقف عن الجريان.

في فلسفة البطء نتعلّم أن:
– ليس كل تأخّر خسارة،
– وليس كل سرعة فوزًا،
– وأن الوصول ليس غاية.. بل الرحلة هي الغاية.

حين تبطئ، تكتشف أن قلبك يعرف الإيقاع الصحيح للحياة، إيقاع يشبه نبضك، لا عقارب ساعتك.

ربما كان البطء أعظم أشكال الوعي، لأنه يجعلنا نلتقي بذواتنا في منتصف الطريق.

نتصالح مع الماضي، وننظر للمستقبل دون خوفٍ من المسافة. حين نبطئ، نتذكر أننا لسنا آلات، بل أرواح تبحث عن التوازن بين العمل والحلم، بين الصخب والسكينة.

🌱ومضة 🌱
في عالمٍ يركض، جربوا أن تسيروا على مهل.. لكن لا تنسوا أن للحياة إيقاعًا يحتاج أحيانًا إلى السرعة.

تمهّلوا حين يكون المعنى في التفاصيل، وأسرعوا حين يكون الخير في المبادرة، فالتوازن هو أجمل شكلٍ من أشكال الحكمة.

✍️ فاطمة الصباح
fatemah_sab@

مقالات سابقة للكاتب

4 تعليق على “البُطء هل هو تأخر أم وعي متزن؟

عبدالله المالكي

مقال رائع جدا استاذه فاطمة، مقال مكتوب ببطء،جعلني افكر بعمق واستشعر جمال البطء وكيف ان السرعة في بعض الاحيان تفقدنا المتعة في الوصول.. والى اي مدى بالحكمة نقيس توازنهما.

محمد

طرح رائع و جميل جدا ومن هذا الباب ما جاء
في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دفع من عرفة فسمع وراءه جلبة وضربًا وزجرًا للإبل وأصواتًا للإبل ترغي، لأنهم كانوا في الجاهلية إذا دفعوا من عرفة أسرعوا إسراعًا عظيمًا يبادرون النهار قبل أن يظلم الجو، فكانوا يضربون الإبل ضربًا شديدًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أومأ إليهم بسوط معه: ( أيها الناس السكينة السكينة ) أو قال: ( عليكم بالسكينة ) يعني الطمأنينة والهدوء ( فإن البر ليس بالإيضاع ) يعني أن البر والخير ليس بالإيضاع أي ليس بالإسراع والإيضاع نوع من السير سريع،
وفرق بين الإسراع والمسارعة فالمسارعة هي اكتساب الفرص ولو كانت صفة أداءها بسكينة ولا تنافي وعلى المسلِمِ أنْ يُكثِرَ من الأعْمالِ الصَّالحَةِ ولا يَتردَّدَ في فعْلِها؛ لأنَّها تُقرِّبُه إلى اللهِ تَعالى، ويَدخُلُ بسبَبِها الجنَّةَ.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “التُّؤَدَةُ”، أي: التَّأنِّي وترْكُ العجَلَةِ، “في كلِّ شيْءٍ”، أي: خَيْرٌ في كلِّ الأعْمالِ، “إلَّا في عمَلِ الآخِرَةِ”، أي: إلَّا في العَملِ المُتعلِّقِ بالآخِرَةِ مِن أمْرٍ أو نهيٍ، أو بأعمالِ التقرُّبِ إلى اللهِ تعالَى؛ فالتَّأخيرُ في هذا العَملِ مَذْمومٌ غيرُ محْمودٍ، بل يَنْبغي الإسْراعُ والمُسابَقَةُ إلى عمَلِ الآخِرَةِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعْلَمُ متى يَنتهي عمرُه ويأتيه أجَلُه.وهنا يأتي الفرق بين الإسراع والمسارعة قوله تعالى: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين }
وكما أشرتم اليه فإن التوسط في كل شئ هو الأصل وهو ما يعنيه الشاعر بقوله :
قد يُدرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجَتِه
وقد يكونُ مع المُستَعجِلِ الزَّلَلُ
وربَّما فات قومًا بعضُ أمْرِهم
من التَّأنِّي وكان الحزمُ لو عَجِلوا
وقول الاخر :
منا الأناةُ وبَعضُ القومِ يحسَبُنا
أنا بِطاءٌ وفي إبطائِنا سِرَعُ
أعجبني المقال فأحببت المشاركة واعتذر عن الاطالة

المدربة والماستر كوتش / شفيقة بخاري

مقال جدا عميق بين طياته معاني عظيمة من التدخل والتعقل عند فعل الامور العضال
احسنت وابدعت في كل كلمة كتبت زادك الله من فضله وعلمه

سعاد البلوي

مقال رائع وجميل التوازن جميل والاستعمال وفق الموقف الذي وضعه له
بارك الله في علمك وقلمك أ/ فاطمة
سعاد البلوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *