خليص في التاريخ المنسي ( ٢٦ )

قراءة في الذاكرة

ومثل ما كان الأمر في المشيخة كان أيضاً بالتبعية في النسب؛ فلم أسمع يوماً – ولو عَرَضاً – أن الشيخ أعلن نسباً، أو طلب نسباً؛ كأنما يدرك أن النسب استحقاقٌ في ذمة التاريخ، وليس ثمة حاجة لاستدعائه أو ادعائه إذا كان حضورك يجسّد دلالته التاريخية ونظائر احتماله وسياقه ومخرجاته.

يُروى أن ثمة إشارة وحيدة يتيمة أوردها أحد أبنائه – الشيخ عبدالعليم، ولا نعرف مناسبتها – أنه قال: “نحن من آل عقيل”، وأردفها بابتسامة وديعة خفيفة كتلك التي تعودنا عليها أمام انفعال الخصوم في مجلسه كلما حَمِيَت المحاججة، وبعد كل أمر جلل يتطلب الأناة، ومداراة التعاطي، وتهوين الحدة في الطلب.

فهو وقد بلغ الشرف تمامه وكماله، والرفعة أعلى مراقيها، والمشيخة أعرق تقاليدها وأثمن لوازمها؛ فإن سؤال النسب يبقى أمانة تاريخية واعتبارية، وليس للمفاضلة أو المناجزة. وإن سعى أبناؤه – بعد رحيله – إلى توثيقه، فإنما هي الرغبة في تدوينه ليبقى للأجيال تقرأه، وتستذكره، وتحمل تكاليف شرف حمولته ومكانته في السردية التاريخية ومقامات السلف الصالح.

ومن المفارقات العجيبة أن أول من توسل علمه وطمع في شهادته هو الذي يحمل الآن تبعات الإجابة على السؤال. وكأنما الريح جرت بما اشتهت السفن! لقد كان حاضر الشيخ حسن امتداداً لجده الأول بكل مجمله وتفاصيله، ولن يكون أمام المؤرخين والمشتغلين بالأنساب إلا أن يضيفوا إلى لقب الشيخ: (العقيلي)، وقد كان الفصل الناجز، والتعبير الأمثل عن هذا النسب، وأصالته التاريخية، وقدره العظيم، ومسيرته المباركة.

وإذا كان لكل رجل فخر في مسيرته يعزز واقع حياته ومحاسن موته؛ فإن الله أكرمني ويسر لي تدوين سيرته وتوثيق نسبه.

ونحن نعلم أن من أدق الأمور وأخطرها أن يخوض الكاتب في الأنساب وهو ليس نسّابة؛ ذلك أن التاريخ قد يكون جرى بخلاف ما أجراه شاهده أو مستحضره، حتى وإن كانت مصادره ومراجعه متوافرة. فكيف بتاريخ يعرض أصول القبائل – لا من حيث التكوين ومعابر الترحال والمستقرات والأحلاف، بل من حيث الجد الأول وتواصل النسب؟ هنا ينبغي أن ننوّه أننا لا نوغل في المجاهيل، ولا ندّعي القدرة على ارتيادها.

إنما ما نؤرخ له هو تحصيل حاصل: نسب قائم معلوم، معروف ومتداول في المروي والمكتوب. وما أوردناه مجملاً عن نسب وتاريخ الشيوخ العقيليين إنما جاء عرضاً في سياق سيرة الشيخ حسن بن عبدالصمد الشيخ. وقد وعدنا بتدوينه مفصلاً في كتاب مستقل؛ فكفانا السيد أحمد بن علي بن أحمد الراجحي العقيلي مؤونة الوفاء بالوعد في موسوعته: الآلئ السنية في الأعقاب العقيلية – دار المنار – ج١ – ط٤ (١٤٣٧هـ / ٢٠١٦م).

وكل ما نرمي إليه هو توثيقه… تسطيره في كتاب للأجيال: تقرأه تاريخاً، وتحفظه رمزاً ومعنى، وذاكرة تراكمية.

 

 

محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *