يظُنّ الكثير من الناس ، عندما يسمع كلمة كنز ، أن المراد به المال فحسب ،لكنه في الحقيقة الأمر أعم من حصره في هذه الدائرة ؛ بل هناك كنوز بشرية قد يُغفل عن دورها في دفع عجلة الحياة ، ومنهم المتقاعدون ، هؤلاء الذين يحملون ثروة لا تقدر بثمن ،إنها ثرواتهم التي كونوها وطوروها ( خلال فترة أعمالهم في الوظيفة ) فإن لم يقم المتقاعد بتوزيعها في زمن حياته ، فسوف تزول هذه الثروة بمغادرته عن هذه الدنيا ، أعني بالثروة الخبرات والتجارب ، والمواقف التي مرّت به في مجريات حياته ، واستفاد منها ، سواء كانت إدارية ، فنية ، اقتصادية ، اجتماعية ، فكل هذه الثروات المتنوعة ،كنز بشري ، يحمل في طياته خبرات السنين، وحكمة التجارب، وذاكرة وطنية حية. إنه الشخص الذي أفنى عمره في خدمة وطنه ومجتمعه، وأسهم في بناء الأجيال ، وتطوير المؤسسات ، ثم تنحى لترك الفرصة ، لغيره ، من أجل مواصلة المسيرة ، وتشييد البناء ، ففي ضوء تسارع المتغيرات ، وتفاقم التحديات ، يكون المتقاعد ، مرجعاً ، آمناً ؛ لا غنى عنه ، بما يملكه من خبرات وتجارب ، تساعد الشباب ، على بداية حياتهم الوظيفية العمليه ، فكم من شاب كان المتقاعد له مرشداً وموجهاً ، وكم من مؤسسة نهضت من تعثرها ، وأعادت توازنها ، بفضل استشارة خبير متقاعد ،فلا يستهان باستشارة وخبرات المتقاعدين ، ومما يُعضّد ذلك ؛ التقارير التي أشارت لها منظمة العمل الدولية (ILO) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) والتي بينت أن استثمار خبرة المتقاعدين يسهم في بناء رأس المال الاجتماعي والاقتصادي .
فلا نغفل عن الاستفادة من هذا الكنز البشري ، الذي بين أيدينا ، والذي يُقرب الوصول للهدف بعيداً عن التنظير والمحاولة والخطأ، فهنيئاً لك أيها المتقاعد الخبير ، الانتقال من مرحلة العطاء الوظيفي ،إلى مرحلة العطاء المجتمعي ، فهاهي أبواب التطوع ،مشروعة ، وهاهم أبناؤك وإخوانك ، يمدون أيدهم لك ، مصافحة ، في تكامل العطاء بين الحاضر والماضي ، بين التطلعات التطويرية الحديثة ؛ وبين التجارب التراكمية الميدانية .
فيا أيها المخططون ، والتقنيون ، والمطورون ، عيدوا النظرة النمطية للمتقاعد ، فهو ليس مجرد عبئًا كما يتصوره البعض ، بل هو طاقة كامنة ، وحاضنة للحكمة ، وبيت خبرة في ، العملية الميدانية ، فهو مصدر اشعاع ، يساعد على زيادة إنارة الطريق ، أمام أصحاب الهمم ، ورواد العمل ،،
فالله درّك من كنز بشري ثمين ، يستحق الاحترام والتقدير ، فلك منّا علو المكانة وشرف الرفعة ، رفع الله قدرك ، وأعلى منزلتك ، وبارك في عمرك ، ونفع بعلمك وعطائك وتجربتك ،،،،،،،،
د.صلاح محمد الشيخ
مستشار أسري وتربوي
مقالات سابقة للكاتب