خليص في التاريخ المنسي ( ٢٧ )

سأل ( أبو أيمن ) : ليه تكتب عن والدنا !!! سأل بعفوية وسماحة ، وأجاب : لأنك تحبه . وبرر استنتاجه ” بالصدق الذي يشعر به عند قراءة النصوص التي اكتبها .

أعترف بأن ذهني لايسعفني – دائما بالإجابة الكاملة المقنعة على الأسئلة المفاجئة ؛ وذلك لأنني أشتغل بالكتابة ، ومن شأنها أن يعتاد الذهن ويتدرب على الاستقصاء والمنطق والأناة والتراتبية . وهذه المواصفات – غالبا لاتسعف البديهه والاسترسال الذي يعتمد على المباشرة والسياقات المفتوحة ؛ وربما بسبب كثافة أفكاري ، أبدو مشتتا أحيانا . عدت للبيت ، وأنا اعترف بوجاهة السؤال ، وأشعر بنقص في الإجابة ؛ حيث إن ( الحب ) بدلالته العامة يشاركني فيه الأهل والأصدقاء : الأقربون والبعيدون – ربما بنفس الدرجة . إذن ، هناك دوافع أخرى :
لعل ابنة صاحب السيرة ( زوجتي ) هي في صميم الرغبة الجامحة في تأطير حياة والدها ؛ كأنما تريد أن تستعيده أمامها في صورته المرسومة بمخيلتها ، والعالقة بذاكرتها ؛ ربما هو كذلك ؛ ربما رغبة ابنائه في استدامة الإشراق البهي لوجه ابيهم ؛ ربما إجماع معاصريه على فرادته ؛ ربما أنا المحب والمحبوب ؛ ربما هي كذلك مجتمعة . أنت لا تستطيع أن تحدد بوضوح تام معطيات اعجابك بشخصية ، تعتقد جازما أنها متفردة ومائزة بين استواء المجموع ، وحكيمة في غياب الفهم ، ومتمدنة في زمن البداوة . شخصية : لولا أنها شاهدة على العصر لحسبها الناس من نسج الخيال .

وكل مايتم تناقله عنه ، هو ماتم على أرض الواقع وبين الناس ، فشهدوا عليه وحمدوه وحفظوه . وهو يتمثل في امرين : أولهما – ماتعارف عليه القوم بالإصلاح – تسويات ( قضايا الخصومة ) وثانيهما – ماتعارف عليه القوم بالفزعة ( الإعانات والقروض ) لكن هناك جانب آخر – إذا ماتجاوزنا مساهماته في الشأن العام بشقيه الرسمي والاجتماعي = خيرا فعله ، أو دل عليه – هناك جانب آخر يتحقق في الخفاء ، بعيدا عن عيون الناس وألسنتهم ؛ فيبقى طي الكتمان . يتسرب أحيانا بعض منه ليس من باب ( إعلانه ) بل من باب ( شكر المستفيد ) الذي رفع يديه يدعو سرا برحمة ( الواهب ) ففاضت كلماته نهرا من الحمد .

إن أرفع الناس قدرا من لايرى قدره ، وأكثر الناس تواضعا من لايرى فضله ، وأحب الناس إلى الله أنفعهم لخلقه . قال صل الله عليه وسلم : ( رأيت أقواما من أمتي على منابر من نور ، يمرون على الصراط المستقيم كالبرق الخاطف ، نورهم تشخص منه الأبصار ، لا هم بالانبياء ، ولاالصديقين ، ولا الشهداء . إنهم أقوام تقضى على أيديهم حوائج الناس ) .

محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “خليص في التاريخ المنسي ( ٢٧ )

أبو أحمد

اسمح لي استاذي بملاحظة
الحديث الذي ودرد في آخر المقال لم يرد عن النبي صلي الله عليه وسلم. وإنما الأحاديث الواردة في فضل قضاء حوائج الناس الثابتة كثيرة ومنها : قوله صلى الله عليه وسلم: ((أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس))؛ حديث حسن؛ (صحيح الجامع للألباني، حديث رقم 176). وحديث (إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطُوبَى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه))؛ حديث حسن؛ (صحيح ابن ماجه للألباني، حديث رقم 194). وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *