يشهد الشباب العربي اليوم مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ما أوجد حالة من التوتر بين القيم التي نشأ عليها الشباب وبين الممارسات اليومية السائدة في المجتمعات الحديثة. وتعد أزمة الهوية إحدى أبرز القضايا التي باتت تؤثر في وعي الشباب واتجاهاتهم، إذ يجد الكثيرون أنفسهم بين منظومة قيمية راسخة تدعو إلى الالتزام والانتماء والمسؤولية، وواقع اجتماعي تتسارع فيه التغيرات، وتتنامى فيه المؤثرات الخارجية، وتتبدل فيه المفاهيم مع اتساع فضاء الإعلام الرقمي.
هذه الأزمة لا ترتبط بالموروث الثقافي بقدر ما ترتبط بتحديات التوازن بين الأصالة والانفتاح. فالشاب العربي يبحث عن ذاته بين ما يجب أن يكون وما هو قائم فعلياً، ويواجه في الوقت ذاته ضغوطاً نفسية واجتماعية تدفعه أحياناً إلى تبني ممارسات لا تعكس قيمه الحقيقية، مما يخلق فجوة تؤثر في استقراره وفي قدرته على اتخاذ القرارات الصحيحة. ويبرز هنا دور المؤسسات التربوية والإعلامية والثقافية في ترسيخ الهوية وتعزيز حضور القيم الإيجابية في سلوك الحياة اليومية، مع فتح المجال أمام الشباب للتعبير عن طموحاتهم في إطار يحترم هوية المجتمع وثوابته.
إلى جانب أزمة الهوية، تأتي مشكلة البطالة لتشكل تحدياً محورياً أمام الشباب العربي، حيث تؤثر في قدرتهم على الإنتاج والاستقرار، وتحدّ من فرص مشاركتهم في التنمية. ويؤدي تأخر دخول الشباب إلى سوق العمل إلى زيادة مساحات الفراغ، مما يجعل بعضهم عرضة للتشتت أو الاستسلام لليأس، وقد تُهدر بذلك طاقات كان من الممكن أن تتحول إلى مشروعات مبتكرة أو مبادرات مجتمعية رائدة.
كما أن الفراغ يمثل مشكلة لا تقل أهمية، إذ يمكن أن يكون بيئة خصبة لنمو السلوكيات غير الإيجابية، في حال غياب برامج تعليمية وثقافية وترفيهية قادرة على استثمار الوقت وتوجيهه نحو أنشطة تنمي المهارات وتدعم الإبداع وتفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب.
ومع تنامي الفجوة بين القيم السامية والممارسات اليومية، يصبح من الضروري العمل على تعزيز الوعي المجتمعي، وتطوير مبادرات تعيد صياغة العلاقة بين الشباب والقيم، بحيث تتحول تلك القيم إلى سلوك عملي يترجم في التعامل، والعمل، والمشاركة، والالتزام. كما يتطلب ذلك تعزيز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والجهات الثقافية لتقديم نماذج واقعية تُحتذى، وتسهم في بناء وعي متوازن قادر على مواجهة تحديات العصر.
وفي ظل ما يمتلكه الشباب العربي من قدرات واسعة وإمكانات إبداعية، فإن العمل على معالجة هذه التحديات يمثل خطوة أساسية نحو تحويل طاقاتهم إلى قوة دافعة للتنمية. ويتحقق ذلك عبر توفير برامج تدريب نوعية، وتمكين ريادة الأعمال، وتوسيع مجالات التطوع والمشاركة المجتمعية، وتوفير بيئات تحفّز الابتكار وتدعم الطموح.
إن مستقبل المنطقة العربية مرتبط بشكل وثيق بقدرة شبابها على تجاوز التحديات، والتمسك بهويتهم، والاندماج في مسارات التنمية. ومع تضافر الجهود، يمكن لهذه الفئة أن تكون عاملاً مؤثراً في بناء مجتمع أكثر استقراراً وتطوراً، قادر على مواكبة التحولات وصناعة غدٍ أكثر إشراقاً.
مشاري الرحيلي
مقالات سابقة للكاتب