حِينَ يَضِيقُ الطَّرِيقُ … تَتَّسِعُ الْبَصِيرَةُ

ليس الطريق دائماً ضيقاً لأننا أخطأنا، ولا الحياة قاسيةٌ لأننا استحققنا القسوة.

في كثيرٍ من الأحيان يكون الضيق رسالة لا تُقرأ بعجالة، ويصبح الانكسار ترتيباً داخلياً لا يُدركه إلا من أُجبر على التوقّف لوجود لحظات لا تتّسع فيها الطرق لتتّسع فيها البصيرة… ليس كل ضيق عقوبة، ولا كل انكسار علامة خذلان.

فبعض الطرق لا تضيق لتمنع العبور، بل لتُجبرك على التوقّف والنظر إلى الداخل، حيث تبدأ الأسئلة الحقيقية، وتتشكل البصيرة.

الابتلاء في جوهره ليس فعل كسر، بل فعل تهيئة.

تهيئة للقلب أنْ يُصفَّى، وللنفس أنْ تُهذَّب، وللإنسان أنْ يرى ما لم يكن يراه وهو في سعة الطريق.

قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة:155)، والمتأمل لهذه الآية يرى العجب وهو أن البشارة سبقت الصبر، وكأن البلاء ليس خاتمة المشهد، بل بدايته.

ولو كان الابتلاء عقوبة محضة لما اقترن بوعد، ولا أُتبع برجاء.

ثم يقرر القرآن قاعدة جامعة حين يقول: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (النساء:147)، فالرحمن لا يتقصّد الإيلام فهو الرحيم، ولا يُنزل الضيق عبثاً، وإنما يُجريه لحكمة قد لا تُرى في لحظتها، لكنها تنكشف مع الزمن.

ولنا في السنة المطهرة تجلية جميلة تصب في عين المعنى، ففي حديث صهيب بن سنان رضـي الله عنه قال: قال رسول الله صلـى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْراً له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْراً له) رواه مسلم.

فالحديث لا يهوّن من الألم، لكنه يعيد تعريفه؛ فلا يكون خسارة خالصة، بل مساراً آخر للخير.

وفي هذا الصدد نظم الإمام الشافعي في ديوانه الأبيات التي جرت على ألسن الناس، فقال:

دَعِ الأَيَّـامَ تَفْعــَـلُ مَا تَشَاءُ *** وَطِبْ نَفْسًا إِذَا حَكَمَ الْقَضَاءُ

وَلَا تَجْزَعْ لِـحـَـادِثَـــةِ اللَّيَالِي *** فَمـَـــا لِـحــَــوَادِثِ الـدُّنْـــيَــا بَــقَـــاءُ

فالضغط لا يصنع القسوة دائماً؛ أحياناً يولّد الحكمة، ويعيد ترتيب الأولويات، ويعلّم الإنسان متى يصمت، ومتى يتجاوز، ومتى يترك ما لا يستحق الاستمرار.

وقد عبّر شاعرُ الزهدِ العباسي أبو العتاهية عن هذا المعنى في الأبيات المشهورة حين قال:

وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى *** ذَرْعاً، وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ

كثيرون خرجوا من الضغوط أقل ضجيجاً، وأكثر صدقاً، وأهدأ نظراً للحياة …. لم يصبحوا أقسى، بل أعمق.

وفي حكمة المتنبي ما يلخّص هذا العمق الإنساني: ذُو الْعَقْلِ يَشْقَى فِي النَّعِيمِ بِعَقْلِهِ *** وَأَخُو الْجَهَالَةِ فِي الشَّقَاوَةِ يَنْعَمُ

وهكذا لا يكون الانكسار نهاية الطريق، إلا عند من يرفض أن يتأمل معناه. فبعض الانحناءات لا تهين القامة، بل تمنحها النجاة.

حين يضيق الطريق لا يكون السؤال الأهم: لماذا حدث هذا؟

بل: ماذا يُراد أن يتشكّل في داخلي الآن؟

فالبصيرة لا تتّسع في الساحات المفتوحة، بل في الممرات الضيقة، حين لا يبقى مع الإنسان إلا قلبه، وربه، وحقيقته.

كتبه الفقير إلى عفو ربه د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش

دكتوراة مصرفية إسلامية وتمويل باحث ومفكر إسلامي

كوالالمبور 12-شعبان – 1447هـ

 

مقالات سابقة للكاتب

4 تعليق على “حِينَ يَضِيقُ الطَّرِيقُ … تَتَّسِعُ الْبَصِيرَةُ

منال

👌 مقال يلامس حياتنا الحاليه

ابووضاح

كتبت فابدعت

sawad71503

👌 مقال يلامس حياتنا الحاليه

أسامه كلنتن

مقالة رائعة ، فهذا نبي الله ضرب بالحجارة من أهل الطائف وعاش عام الحزن محاطا بالمشركين وأجبر للخروج من مكة ووقف أمامه أقاربه ، وجرح في أحد و أوذي في عرضه ،، وفي النهاية انتصر بكل المقاييس ، ترك دروسا تدرس في كبرى الجامعات ، انتشر الاسلام من الصين إلى المغرب ، رجال صدقوا ما عاهدا الله عليه ،، شكرا يادكتور على المقالة الجميلة ،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *