خليص في التاريخ المنسي ( ٤٦ )

قراءة في الذاكرة 

هاجر عاتق بن غيث البلادي من قرية (مِسْر) بخليص، وكان سقف حلمه أن يلتحق بالجيش السعودي؛ فإذا به جيشٌ من الكتب في التاريخ والجغرافيا والأنساب والأدب والرحلات، يقف في مصافّ المؤرخين الكبار لمكة المكرمة ولأهل الله في البلد الحرام.

إنه ندٌّ للشيخ محمد علي مغربي في تاريخه، وندٌّ متأخر للشيخ حسين باسلامة في تاريخه للبلد الحرام، وندٌّ كذلك للشيخ أحمد السباعي في تاريخ مكة، ويكاد يكون قريبًا في موسوعته من موسوعة الشيخ محمد طاهر الكردي عن البلد الحرام.

ويقترب البلادي من مؤرخ مكة جعفر لبني، وربما يلحق بموسوعة معالي الشيخ المكي السيد الدكتور أحمد زكي يماني في موسوعته عن الحرمين الشريفين، وكذلك ما يفعله ابن مكة المخلص الأستاذ الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان.

هذا العلامة الذي لا يعرف عنه ـ المفتونون بالأنساب ـ سوى كتابه “نسب حرب”. وهكذا نحن نتلهى بقياس الزمن عن التاريخ، وصراع الأجيال عن السيرورة الاجتماعية. نقف مبهوتين أو هازئين، كأنها نهاية عصر عرف الخيبة ولم يفهم معناها فظل حالِمًا، وبداية عصر لم يجرب الخيبة، فقد وُلد من غير أحلام. إن احتفاءنا بزمن المحارب القبلي وإعادة إنتاجه يُغيّب المبدعين، ويُسكنهم الإهمال والغفلة، ويُبعدهم عن الواجهة.

كل الذين غادروا خليص حملوا أحلامهم. تنوعت الأحلام، وتنوعت المطارح والدروب ومستقرات الهجرة. يكبر الحلم أو يصغر أو حتى يتلاشى، لكن العجيب الذي يصعب فهمه أننا ننساه إذا ما تحقق ـ بصورة أو بأخرى ـ وننسى أنه كان حلمًا. وإذا ما استجلبناه من تجاويف الرأس، هزمنا النأي عن بداياته، وعن ملاحقة سيرورة الاشتغال على تمظهره.

الحالمون الكبار هم من يقبضون على (البذرة الحلمية الأولى)، ثم يبحثون عن مستقر الخصوبة وأمكنة النماء. يتناسل الحلم؛ يكون هو هو، أو ذاته، أو ذاتًا مغايرة وبديلة، فليس للحلم محددات ولا ترسيمة ملزمة. إنه النفحة الأولى التي تهمز النشاط الذهني لينطلق في ركضه وصبوته.

لقد كان البلادي واحدًا من ثلاثة رحلوا، والمصادر التي تناولت سيرة (البلادي) لا تذكر تاريخًا دقيقًا لهذا الانتقال، لكنها تجمع أنه في حدود أواخر الأربعينيات أو أوائل الخمسينيات الميلادية، حيث شهدت هذه الفترة هجرة عدد من أبناء القرى إلى المدن طلبًا للرزق أو العلم أو لكليهما. وكلهم يحبون (ليلى)، لكنها ليست (ليلى) المريضة في العراق، وليست (ليلى) التي “إلا على ريش نعام ما بتنام”.

الأول: عبدالعزيز بن إدريس، هاجر من بلدته (حرمة) بسدير، وكان سقف حلمه أن ينال العلم الديني؛ فإذا به الفاعل الرئيس في الحركة التعليمية والثقافية.

والثاني: عبده محمد علي خال، هاجر من بلدته (المجنة) بمنطقة جازان، وكان سقف حلمه أن يكون نجارًا أو حدادًا؛ فكان فوزه بجائزة البوكر انتصارًا للرواية السعودية التي ظن البعض أنها طفرة كـالطفرة الاقتصادية.

فإن رحل الشيخ عاتق بن غيث البلادي، فالآن تُروى حكايته من بدايتها: من الحلم الأول. وكذلك الحال مع الحالمين أمثاله.

فيا أيها السائرون: إن على الأرض ما يتسع للأحلام، فلا تلهِكم انشغالاتكم عن حكاية الحالمين الذين صنعوا جغرافيا ثقافية لخليص.

 

محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *