المجتمع لا يغفر الاختلاف

في كل مرة ينجح فيها شخص، يظهر المجتمع وكأنه لا يبحث عن نجاحه بقدر ما يبحث عن ثغرة فيه.

لا يهم كم تعب، ولا كم ضحّى، ولا كم حقق من إنجازات، لأن بعض العيون لا ترى إلا الزلات، وبعض العقول لا ترتاح إلا حين تُسقط صورة الناجح من مكانتها.

فبدل أن يكون السؤال: “كيف وصل؟” يصبح: “أين خطؤه؟”

المؤلم أن كثيرًا من الناس يقيسون قيمة الإنسان بأمور سطحية لا علاقة لها بإنجازه أو أخلاقه أو أثره الحقيقي.

قد يُختزل نجاح شخص كامل بسبب طريقة لبسه، أو شكله، أو معتقده، أو حتى أسلوب حياته.

فتجد من يرى المحجبة بصورة معينة، وغير المحجبة بصورة أخرى، والمسلم أو غير المسلم السليم والغير سليم الأسمر او حتى الأبيض تحت أحكام جاهزة، وكأن النجاح له قالب محدد يجب أن يتشابه فيه الجميع.

لكن الحقيقة أن النجاح لا يُقاس بهذه التفاهات.

النجاح الحقيقي يُقاس بما يقدمه الإنسان، بما يصنعه من أثر، بما يتجاوزه من صعوبات، وبقدرته على الاستمرار رغم كل الأصوات التي تحاول التقليل منه.

فالإنسان ليس صورة يكوّنها المجتمع عنه، وليس إشاعة تنتقل بين الناس، وليس سُمعة تُبنى على آراء الآخرين المتقلبة.

السمعة في كثير من الأحيان ليست إلا انعكاسًا لكلام الناس، وكلام الناس لا يمثل الحقيقة دائمًا، بل يمثل أصحاب هذا الكلام وطريقة تفكيرهم.

كم من شخص ناجح حورب فقط لأنه مختلف، وكم من إنسان تم تشويه صورته لأنه لم يناسب معايير مجتمع اعتاد الحكم السريع.

ولو عاش الإنسان أسيرًا لنظرة المجتمع، فلن ينجح أبدًا.

لأن المجتمع متقلب؛ يصفق اليوم وينتقد غدًا، يرفع أشخاصًا ويهدم آخرين للأسباب نفسها.

لذلك لا يمكن أن يكون رضا الناس معيارًا ثابتًا للحياة أو النجاح.

الناجح الحقيقي هو من يعرف نفسه جيدًا، ويؤمن أن قيمته لا يحددها تعليق عابر، ولا رأي شخص لا يعرف رحلته، ولا مجتمع يرى القشور أكثر مما يرى الجوهر.

فالنجاح لا يحتاج نسخة مثالية ترضي الجميع، بل يحتاج إنسانًا صادقًا مع نفسه، قادرًا على الاستمرار مهما كانت الضوضاء حوله..

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “المجتمع لا يغفر الاختلاف

نويفعة الصحفي

أجمل ما في طرحك أنه لا يدافع عن النجاح بقدر ما يدافع عن إنسانية الإنسان خلف هذا النجاح.

فالمشكلة فعلًا ليست في وجود النقد لأن النقد الصحي ضرورة بل في تحول بعض الناس الباحثين عن العيوب لا عن الحقيقة وكأن سقوط الناجح يمنحهم شعورًا بالراحة أو التفوق.

النجاح الحقيقي احيانًا يزعج البعض، لأنه يذكّر الآخرين بما لم يفعلوه، لذلك يصبح التركيز على الشخص أسهل من مواجهة الفكرة أو الإنجاز نفسه.

لكن في المقابل هناك نقطة مهمة أيضًا:
ليس كل حكم من المجتمع ظالم وليس كل مختلف ناجح بالضرورة.
أحيانًا الإنسان يحتاج أن يراجع نفسه ويتقبل النقد الحقيقي لأن الفرق كبير بين “النقد البنّاء” و”الأحكام الجاهزة”.

فالوعي الحقيقي هو أن لا نُقدس الناجحين ولا نُسقطهم بسبب اختلافهم بل نقيم الإنسان بعدل:
بعلمه، وأثره، وأخلاقه، وصدق رحلته.

أما اختزال البشر في شكل، أو لباس، أو خلفية، أو صورة نمطية… فهذا لا يقول شيئًا عنهم بقدر ما يكشف ضيق نظرة من يحكم عليهم.

وفي النهاية، أكثر الناس نضجًا ليس من ينجح أمام الجميع، بل من يعرف كيف يحافظ على نفسه وسط ضجيج التصفيق وضجيج الهجوم معًا
شكرًا للكاتبة الرائعة دعواتي لها بدوام التوفيق والإبداع 🤍

أحمد مهنا

مقالة مثيرة معبرة !
فما أجمل التعبير إذا أظهر الحقيقة ، فذلك من الصدق سواء أراده صاحبه أو لم يرده ، وما أحسن النجاح حتى لو كان في أقل درجاته وهو الذي مع سطوعه يقتصر أثره على صاحبه، فالنجاح هدف مطلوب ونجاح النجاح هدف عزيز لا يطاله إلا الموفقون الذين كل مارفعهم ﷲ تواضعوا له تعبدا وسجدوا له شكرا، فما أسوأ مثل الذين حملوا التوارة ثم لم يحملوها ، والناس منهم كثر كما وصفهم صوحان بن صعصعة، (رجرجة) لا يعتمد قياسهم إلا لأمثالهم ،ومنهم أهل دراية وخبرة ومعايير معتبرة يؤخذ بقولهم فهم شهداء لله إذا أثنوا على جنازة خيرا فقد وجب ، وإذا قالوا غير ذلك فقد وجب . ولا يهتم لقولهم كلهم عندما نعمل ، لكن يهمنا بعد أن نعمل فلربما كان ذلك لنا من عاجل البشرى ، ونعوذ بالله أن يكون من علامات سخط ﷲ علينا فالله جل وعلا إذا سخط على أحد أسخط عليه الناس.
والقول السديد هو ما طابق الحق ، فالقرآن مثلا حق لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والسنة حق فهي وحي يوحى، وقول الفقهاء والحكماء والعقلاء وعادات المجتمع الحسنة ، محددات وأطر للصواب ، وما خرج عن ذلك كان مرتعا لآراء كل من نطق خاصة أولئك الذين وصفهم صعصعة بقوله ( رجرجة) والنجاح يعلو بأصحابه ذكرا ، والنجاح يحصن أصحابه فعلا، والنجاح يسمو بأصحابه اهتماما ، ويستفيدون منه ويفيدون به، فيكونون قدوة ، وتكون لهم في المجتمع هيبة ولهم فيه أثر حتى مجرد رؤيتهم تذكر بالله!

فعلا هذه المقالة مميزة ! من أكثر ماقرأت اليوم إثارة شكلا ومضمونا … ، دعواتي للكاتبة .. مع الشكر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *