اﻷﻣﺎﻛﻦ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺠﺮد ﺟﺪران وﻣﻜﺎﺗﺐ وﻣﻤﺮات… اﻷﻣﺎﻛﻦ اﻧﻌﻜﺎس ﻟﻤﻦ ﻓﻴﻬﺎ.
اﻋﺘﺪﻧﺎ… ﻻ ﻷن اﻷﻳﺎم ﺗﺘﺸﺎﺑﻪ … ﺑﻞ ﻷن اﻷﻟﻔﺔ ﻧﺴﺠﺖ ﺧﻴﻮﻃﻬﺎ ﺑﻴﻦ ﺣﻀﻮر ﻣﺘﻨﻮع، ﺗﺒﺎﻳﻨﺖ ﺗﻔﺎﺻﻴﻠﻪ وﻇﻬﺮ أﺛﺮه ﺣﺘﻰ ﺻﺎر اﻟﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ ﺣﺠﺎج ﺑﻴﺖ ﷲ اﻟﺤﺮام ﻣﺴﺎﺣﺔ واﺣﺪة ﻳﺘﻘﺎﻃﻊ ﻓﻴﻬﺎ اﻹﺧﻼص ﻣﻊ اﻹﻧﺠﺎز.
وﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻤﻘﺎم … اﻣﺘﻨﺎن ﻟﻮﻃﻦ ﺟﻌﻞ ﺧﺪﻣﺔ اﻟﺤﺠﻴﺞ ﺷﺮﻓﺎ وﻣﺴﺆوﻟﻴﺔ، وﻟﻘﻴﺎدة ﺳﺨّﺮت اﻹﻣﻜﺎﻧﺎت وﺗﺨﻄّﺖ اﻟﻌﻘﺒﺎت وﻟﺠﻤﻴﻊ اﻟﻘﺎﺋﻤﻴﻦ ﻋﲆ ﻫﺬه اﻟﺠﻬﻮد اﻟﻤﺒﺎرﻛﺔ اﻟﻤﺜﻤﺮة.
ﺗﺒﺪأ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ اﻟﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﺗﺐ اﻟﺨﺪﻣﺔ ﻓﻲ رﺣﺎب اﻟﻤﺴﺠﺪ اﻟﻨﺒﻮي اﻟﺸﺮﻳﻒ … ﺣﻴﺚ ﺗﺘﻮاﺻﻞ اﻟﺠﻬﻮد ﻟﺘﻨﻈﻴﻢ اﻷﻋﻤﺎل وﺗﻴﺴﻴﺮﻫﺎ ﻓﻲ ﺑﻴﺌﺔ ﻳﻐﻠﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻻﻧﻀﺒﺎط واﻟﻬﺪوء. وﻣﻊ اﻷﻳﺎم ﻳﺘﺸﻜﻞ اﻟﺸﻌﻮر ﺑﺎﻟﻤﺴﺆوﻟﻴﺔ وﻳﺘﻌﺰز اﻻﻟﺘﺰام ﺑﺄداء اﻟﻤﻬﺎم وﺗﻮﻇﻴﻒ اﻟﻤﻬﺎرات.
وﻓﻲ ﻳﻮﻣﻴﺎت ﻫﺬه اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ وﻣﺎ ﺣﻤﻠﺘﻪ ﻣﻦ ﻣﻮاﻗﻒ … ﻻﻣﺴﻨﺎ ﻣﻌﺎﻧﻲ اﻟﻨﺨﻮة واﻟﻔﺰﻋﺔ واﻟﻜﺮم دون ﻃﻠﺐ أو اﻧﺘﻈﺎر … وﺗﻤﺘﺪ ﻳﺪ اﻟﻌﻮن ﺑﻌﻔﻮﻳﺔ … وﺗﺄﺗﻲ اﻟﻤﺒﺎدرة ﻗﺒﻞ اﻟﻨﺪاء ..وﻛﺄن اﻟﻮﻗﻮف ﻣﻊ اﻵﺧﺮﻳﻦ ﺧُﻠﻖ اﺳﺘﻘﺮ ﻓﻲ اﻟﻨﻔﻮس ﻗﺒﻞ أن ﻳﻜﻮن ﺳﻠﻮﻛﺎ ﻳُﻤﺎرس ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ اﻟﺤﺠﻴﺞ.
وزاد اﻟﻤﺸﻬﺪ أﻟﻔﺔ … ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ زاﻧﻬﺎ ﻋﺒﻖ اﻟﻄﻴﺐ واﻟﻌﻮد وأﺛﺮ اﻟﺘﺒﺨﻴﺮ اﻟﺬي ﻳﻤﻸ اﻟﻤﻜﺎن ﺟﻤﺎﻻ وراﺣﺔ … ﻟﻤﺴﺎتٌ ﺻﻐﻴﺮة ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮﻫﺎ ﻟﻜﻨﻬﺎ ﺗﺘﺮك ﻓﻲ اﻟﺬاﻛﺮة أﺛﺮا أﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺣﺠﻤﻬﺎ وﺗﻤﻨﺢ اﻟﻤﻜﺎن روﺣﺎ ﺧﺎﺻﺔ ﻳﺼﻨﻌﻬﺎ اﻟﺰﻣﻼء وﻣﺎ ﻳﺤﻤﻠﻮﻧﻪ ﻣﻦ ﺧُﻠﻖ وﺳﻼﺳﺔ ﻓﻲ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ.
وﻣﺸﻬﺪٌ ﻳﺸﻬﺪ ﺑﺤﻀﻮر ﻻ ﻳﻌﺮف اﻟﺘﺒﺎﻃﺆ ﺣﻴﻦ ﻳُﻄﻠﺐ ﻣﻨﻬﻢ اﻟﺪﻋﻢ … ﻳﺴﺘﻘﺒﻞ اﻹﺷﺎرات ﺑﻮﻋﻲ ﻋﺎل وﺑﺼﺪر ﻣﺘﺴﻊ ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺎت اﻟﻀﻐﻂ … وﻛﺄن اﻻﺳﺘﺠﺎﺑﺔ اﻟﺴﺮﻳﻌﺔ ﻓﻴﻪ ﻧﻤﻂ ﺛﺎﺑﺖ ﻻ ﻳﺘﻐﻴﺮ ﻣﻬﻤﺎ اﺷﺘﺪت اﻟﻈﺮوف أو ﺗﻌﺪدت اﻟﻤﺴﺆوﻟﻴﺎت.
وﻳﻤﺘﺪ اﻟﻤﺸﻬﺪ إﱃ ﻣﻦ ﺟﻌﻞ اﻟﺘﻮﺟﻴﻪ دﻋﻤﺎ، واﻟﺘﺼﺤﻴﺢ ﺗﻌﻠّﻤﺎ، واﻟﻌﺬر ﺧُﻠﻘﺎ … ﻻ ﻳﻜﺎد ﻳﺨﺘﺘﻢ ﺣﺪﻳﺜﻪ إﻻ ﺑﺴﺆال اﻟﻌﺎﻓﻴﺔ واﻟﺪﻋﺎء ﺑﻬﺎ .. وﻛﺄﻧﻪ ﻳﺪرك أن اﻟﻌﺎﻓﻴﺔ ﻫﻲ اﻟﺰاد اﻟﺨﻔﻲ اﻟﺬي ﺗﺴﺘﻘﻴﻢ ﺑﻪ اﻷﻋﻤﺎل وﻳﻬﻮن ﻣﻌﻬﺎ اﻟﺘﻌﺐ. وﻓﻲ ﻣﺸﻬﺪ آﺧﺮ… ﻳﺤﻀﺮ اﻟﻬﺪوء ﻗﺒﻞ اﻟﻜﻠﻤﺎت وﺗﺄﺗﻲ اﻟﻜﻠﻤﺎت ﺣﻴﻦ ﻳﺤﺘﺎﺟﻬﺎ اﻟﻤﻮﻗﻒ وﻳﺄﺗﻲ اﻟﺘﻮﺟﻴﻪ ﺑﻠﻄﻒ ﺻﺎدق واﻫﺘﻤﺎم ﻳﺸﻌﺮ ﻣﻦ ﺣﻮﻟﻪ ﺑﺄﻧﻬﻢ ﻣﺤﻞ ﺗﻘﺪﻳﺮ …ﻓﻲ اﺣﺘﻮاء واﺿﺢ وﺣﺪود ﻫﺎدﺋﺔ ﺗﺤﻔﻆ اﻟﻌﻤﻞ دون ﺗﺠﺎوز أو ﺗﻬﺎون.
وﻣﻊ اﻣﺘﺪاد ﻫﺬه اﻟﻤﻼﻣﺢ … ﻳﺘﺠﻪ اﻟﻤﺸﻬﺪ إﱃ رﺣﺎب اﻟﻤﺴﺠﺪ اﻟﺤﺮام…ﺣﻴﺚ ﺗﻌﻠﻮ ﻧﺪاءات اﻷذان وﺗﻘﺎم اﻟﺼﻠﻮات وﺗﻨﺘﻈﻢ ﺻﻔﻮف اﻟﻤﺼﻠﻴﻦ ﻣﺘﺘﺎﺑﻌﺔ ﺣﺘﻰ ﻳﻐﻴﺐ آﺧﺮﻫﺎ ﻋﻦ اﻟﻨﻈﺮ … ﻳﻠﺒّﻮن ﻧﺪاء “ﺣﻲ ﻋﲆ اﻟﺼﻼة” ﻣﻦ ﻛﻞ ﻓﺞ ﻋﻤﻴﻖ … وﺗﻌﻠﻮ ﺗﻜﺒﻴﺮات اﻷﺋﻤﺔ ﻓﻲ ﻣﺸﻬﺪ ﻣﻬﻴﺐ … ﺗﺘﻮﺣﺪ ﻓﻴﻪ اﻟﻘﻠﻮب واﻷﺑﺪان وﺗﺬوب ﻓﻴﻪ اﻟﻔﻮارق … ﺟﻤﻴﻌﻬﻢ ﻋﲆ ﻣﻘﺼﺪ واﺣﺪ وﻗﺒﻠﺔ واﺣﺪة.
وﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﻫﺬا اﻟﺰﺣﺎم اﻟﻤﺒﺎرك ﻳﻤﺮّ ﻣﺸﻬﺪ ﻳﺨﺘﺼﺮ ﺣﻜﺎﻳﺔ اﻹﻧﺴﺎن ﻛﻠﻬﺎ… ﻣﺸﻬﺪ وداﻋﺎتٌ ﻫﻢ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﺴﺎﺑﻘﻮن … ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ أدرك ﻣﻦ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻣﺎ أدرك، وﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻛﺎن ﻻ ﻳﺰال ﻳﺨﻄﻂ ﻟﻐﺪه، وﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﺪ ﻳﺘﻌﺮف إﱃ اﻟﺤﻴﺎة ﺑﻌﺪ، وﻧﺤﻦ ﺑﻬﻢ ﻻﺣﻘﻮن… ﻓﺘﺴﻜﻦ اﻟﻀﻮﺿﺎء ﻓﻲ اﻟﺪاﺧﻞ وﻳﺴﺘﻴﻘﻆ ﻣﻌﻨﻰ اﻟﺮﺣﻴﻞ … ﻓﻴﺒﺪو ﻛﻞ ﻣﺎ ﺳﻮى اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺼﺎﻟﺢ أﺻﻐﺮ ﻣﻤﺎ ﻛﺎن.
وﻣﻊ اﻷﻳﺎم وﻛﻞ اﻟﻤﺸﺎﻫﺪ …ﻟﻢ ﻳﻌﺪ اﻷﻣﺮ ﻣﺠﺮد ﻋﻤﻞ ﻋﺎﺑﺮ أو ﺳﺎﻋﺎت ﺗُﻘﻀﻰ وﺗﻨﺘﻬﻲ ! ﺑﻞ ﺻﺎر اﻧﺴﺠﺎﻣﺎ ﻏﻴﺮ ﻣﻌﻠﻦ
وﺗﻔﺎﻫﻤﺎ ﻻ ﻳﺤﺘﺎج إﱃ ﺷﺮح ﻃﻮﻳﻞ … وﻛﺄن اﻟﺘﺒﺎﻳﻦ ﺑﻴﻦ اﻟﺸﺨﺼﻴﺎت ﻟﻢ ﻳﻜﻦ اﺧﺘﻼﻓﺎ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﻛﺎن ﺗﻜﺎﻣﻼ ﺻﺎﻣﺘﺎ ﻳﺼﻨﻊ اﻟﺼﻮرة ﻛﺎﻣﻠﺔ.
وﺣﻴﻦ اﻧﻘﻀﺎء ﻣﻮﺳﻢ اﻟﻌﻤﻞ واﻧﺼﺮاف اﻟﻮﻓﻮد وﻫﺪوء اﻟﻤﺸﺎﻫﺪ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻀﺞ ﺑﺈﻳﻘﺎع اﻟﻌﻤﻞ وﻣﻜﺎﺗﺒﻪ… ﻳﺒﻘﻰ اﻟﺴﺆال اﻟﺬي ﺗﺠﻴﺐ ﻋﻨﻪ اﻷﻳﺎم داﺋﻤﺎ: ﻣﺎذا ﻳﺘﺮك اﻹﻧﺴﺎن ﺑﻌﺪه؟
وﻟﻴﺲ ﻟﻬﺬا اﻟﺴﺆال ﺟﻮاب ﻓﻲ اﻷﻟﻘﺎب وﻻ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﺎﺻﺐ وإﻧﻤﺎ ﻓﻲ اﻟﻘﻠﻮب اﻟﺘﻲ ﺣﻔﻈﺖ ﻣﻌﺮوﻓﺎ واﻟﻨﻔﻮس اﻟﺘﻲ ﻣﺴّﻬﺎ إﺣﺴﺎن واﻟﺪﻋﻮات اﻟﺘﻲ ارﺗﻔﻌﺖ ﻟﺼﺎﺣﺒﻬﺎ ﺑﻈﻬﺮ اﻟﻐﻴﺐ. ﻫﻨﺎك ﺗُﻌﺮف ﻗﻴﻤﺔ اﻹﻧﺴﺎن ﺣﻘﺎ … وﻳُﺪرك ﻣﺎذا أﺑﻘﻰ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﺪﻧﻴﺎ.
وﻣﺎ ﻛﺎن ﻟﻠﻪ ﻳﺒﻘﻰ.
أﺳﻴﻤﺎء ﻋﻮﻳﻀﺔ
مقالات سابقة للكاتب