لم يسبق للبشرية أن امتلكت هذا القدر من المعرفة، ومع ذلك لم يسبق أن اشتكت بهذا القدر من الحيرة والتشتت. ففي عالم يستطيع فيه أي شخص الوصول إلى ملايين الكتب والدراسات والمقالات بضغطة زر، كان من المفترض أن يصبح الإنسان أكثر فهمًا ووضوحًا وقدرةً على اتخاذ القرار. لكن الواقع يبدو مختلفًا؛ فكلما ازدادت المعرفة المتاحة، ازداد الحديث عن التشويش والارتباك والانقسام الفكري.
تكشف هذه المفارقة أن المشكلة لم تعد في الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في الماضي؛ فالمعلومة أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى. أما التحدي الحقيقي اليوم فيكمن في فهمها، وتمييز المهم من الهامشي، وربطها بسياقها الصحيح، ثم تحويلها إلى معرفة نافعة وسلوك رشيد.
قبل عشرين عامًا، كان من يمتلك معلومة نادرة يمتلك ميزة حقيقية. أما اليوم، فقد تراجعت قيمة امتلاك المعلومة نفسها، وأصبحت القيمة الحقيقية في القدرة على تفسيرها وتحليلها والاستفادة منها. فالمعرفة متاحة للجميع تقريبًا، لكن النتائج لا تتساوى؛ لأن ما يصنع الفرق ليس حجم ما نعرفه، بل طريقة تعاملنا مع ما نعرفه.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين المعرفة والحكمة. فالمعرفة تجيب عن سؤال: ماذا أعرف؟ أما الحكمة فتجيب عن سؤال أكثر عمقًا: ماذا أفعل بما أعرف؟ فقد يعرف الإنسان ما ينبغي عليه فعله، لكنه لا يفعله، وقد يدرك الطريق الصحيح، لكنه يعجز عن اختياره عند لحظة القرار. لذلك كانت الحكمة دائمًا أندر من المعرفة، وأكثر تأثيرًا في حياة الأفراد والمجتمعات.
ولعل أزمة عصرنا ليست نقص المعلومات، بل وفرتها. فقد جعلت وسائل التواصل الاجتماعي المعرفة في متناول الجميع، لكنها لم تجعل الجميع أكثر فهمًا. وأصبح من الممكن اختصار كتاب في دقائق، أو تلخيص فكرة فلسفية معقدة في مقطع قصير، أو تقديم قضية تاريخية شائكة في ثوانٍ معدودة. غير أن الفهم العميق لا يولد من السرعة، بل من التأمل والمراجعة والتفكير المتأني.
الخوارزميات تكافئ السرعة، بينما تنمو الحكمة ببطء. ولهذا تزداد السطحية أحيانًا في الوقت الذي تتسع فيه دائرة المعرفة. فالعقل البشري، أمام هذا السيل المتدفق من المعلومات، يلجأ إلى الاختصار والأحكام السريعة والاستنتاجات الجاهزة، فيتحول الرأي إلى قناعة، وتتحول القناعة إلى هوية، قبل أن تمر الفكرة بمراحل الفهم والتمحيص.
وربما كانت أخطر نتائج هذا الواقع ما يمكن تسميته بـ«وهم المعرفة». ففي الماضي كان الإنسان يدرك حدود ما يعرفه، أما اليوم فقد يظن أنه فهم قضية كاملة لأنه شاهد مقطعًا أو قرأ منشورًا. وهنا تكمن المشكلة؛ لأن الجهل قد يدفع صاحبه إلى التعلم، أما وهم المعرفة فيقنع صاحبه بأنه لم يعد بحاجة إلى التعلم أصلًا.
إن التحدي الحقيقي في القرن الحادي والعشرين لم يعد الوصول إلى المعرفة، بل تحويل المعرفة إلى بصيرة. فالمعلومات أصبحت متاحة للجميع، أما الحكمة فما زالت نادرة. وبين مجتمع يعرف كثيرًا ومجتمع يفهم بعمق، تتحدد قدرة الأمم على التقدم، وتتحدد كذلك قدرة الإنسان على أن يعيش حياة أكثر اتزانًا ومعنى.
مقالات سابقة للكاتب