الدنيا مكتبة كبرى، ممتدة الآفاق، يعمّها صمتٌ مهيب، وتضجّ في الوقت ذاته بأصوات العابرين. وعلى رفوفها اللامتناهية يُحفظ لكل عابر كتاب؛ هو “كتاب العمر”.
هذا الكتاب المحفوظ في ركن من أركانها، تُحاط صفحاته بغلاف سميك ذي ألوان لا تُحصى؛ فكل صفحة بلون مختلف، بل كل سطر وكل كلمة بلون، ولربما تلونت حروفه كذلك. بعض ألوانه مرّت فلا تُذكر، وألوان أخرى لا تُنسى؛ ألوان كانت بريشته واختياره، وألوان لم تكن بطوعه ولا بمشيئته.
مرّت منه صفحات أصبحت ذكريات، ولأولاده وأحفاده حكايات؛ يحكيها تارةً متأملًا، وتارةً يراها نوادر تصلح أن يُتهكَّم ممن كتبها، وأحيانًا يرويها ليُضحك بها من يجالسه.
في هذه القاعة الفسيحة، كم صفحة في كتابه تمنى لو استطاع نزعها وإحراقها بين الممرات، وكم صفحة تمنى لو جعلها غلافًا للكتاب وعنوانًا بارزًا يراه كل زوار المكتبة!
صفحاتُه صنعتها قوانين المكتبة وأنظمتها، وأُحيطت بقيم ومبادئ ومفاهيم ومشاعر؛ فكان منها صفحات داكنة يتقطب الجبين عند تذكرها، وصفحات من زهرة الدنيا بلون الورود، وصفحات تنورت بنور ربها فكادت تضيء الغلاف، بل أضاءته.
كتابٌ حروفه وكلماته كُتبت من دواة واحدة، والريشة هي التي تلونها وتنوّعها، ولربما كُتبت بلون تجحده المحبرة، ولكن الريشة كتبته. تارةً يعزو صاحب الكتاب ذكرياته إلى المحبرة ويمدحها، وتارةً يعزوها إلى ريشته فيراها مبدعة، وتارةً يندب الريشة والمحبرة ويلوم حظوظه المتعثرة.
كتاب العمر، صفحاته تشابه أولها آخرها؛ فمؤلفه وجامعه لا يعي تمامًا ما كُتب في أوله، ولا ما سيُكتب في آخره؛ يصعب عليه إدراك البداية، وتغيب عنه تفاصيل النهاية.
فقد بدأ التأليف طفلًا: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾.
ثم مرّ بمرحلة عابرة في ثلاثة أحوال: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.
لكن العجب يتلاشى، والدهشة تبلغ مداها حين تُغلق هذه المكتبة أبوابها؛ فهذا الكتاب ليس مجرد ورق يُطوى ليوارى في الثرى أو يغطيه الغبار، بل سيُخرج يومًا من بين الرفوف الخفية، ليُوضع بين يدي صاحبه في مشهد مهيب. سيقرؤه بنفسه حرفًا حرفًا، وصفحةً صفحةً، بالتفصيل الدقيق الذي لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً، ولا يترك خطرة قلب ولا لفتة عين إلا أحصاها: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
حينها يصبح المؤلف لكتابه ناقدًا ومحاسبًا: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.
فاللهم سلِّم سلِّم.
إبراهيم مهنا الصحفي
مقالات سابقة للكاتب