الوحيد الذي قال له إبليس: نعم أنت!

في مشهدٍ يهزّ القلب ويوقظ الضمير، يروي لنا الحديث النبوي الشريف صورةً مرعبة عن عداوة الشيطان للإنسان، وعن أكثر الأعمال التي تُرضيه وتُدخله دائرة التكريم عند كبير الشياطين.

فقد جاء في صحيح مسلم، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنة… فيجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فعل كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا. ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرّقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نعم أنت».

تأملوا هذا المشهد جيدًا.

شياطين كثيرة تعود إلى إبليس وهي تحمل تقارير الإفساد؛ فهذا أوقع إنسانًا في معصية، وذاك جرَّ آخر إلى خصومة، وثالث أفسد تجارةً أو علاقةً. ومع ذلك، لا ينالون إعجاب كبيرهم، بل يقال لهم: «ما صنعت شيئًا».

لكن شيطانًا واحدًا فقط نال وسام الرضا والإعجاب!

من هو؟

إنه الشيطان الذي نجح في التفريق بين زوجٍ وزوجته، وفي هدم بيت، وتشتيت أسرة، وتمزيق قلوب أطفال.

هنا فقط قال إبليس عبارته المشهورة: «نعم أنت».

نعم… أنت أيها الشيطان!

لماذا؟

لأن التفريق بين الزوجين لا يقف أثره عند خلافٍ عابر، بل يمتد ليصنع سلسلةً من الآلام:

زوجًا محطمًا نفسيًا.

وزوجةً يملؤها القهر أو الندم.

وأطفالًا يعيشون بين الحيرة والانكسار.

وأسرًا تتنازع.

ومجتمعًا يدفع الثمن.

إن الشيطان يعلم أن الأسرة هي الحصن الأول للمجتمع، فإذا سقط البيت، تزلزل ما بعده.

ولذلك فإن من أخطر ما يفعله بعض الناس – من حيث يشعرون أو لا يشعرون – أن يتحولوا إلى أدوات مجانية للشيطان.

كلمةٌ من أم إلى ابنتها: “لا تسكتي له.”

وهمسةٌ من صديق إلى صديقه: “طلّقها… ستجد أفضل منها.”

وتدخلٌ من قريب أو قريبة لإشعال خلافٍ بسيط حتى يصبح نارًا مستعرة.

وأحيانًا يكون الشيطان حاضرًا في صورة كبرياء يمنع الاعتذار، أو عناد يرفض التنازل، أو لسان جارح لا يعرف الرحمة.

كم من بيتٍ هُدم بسبب كلمة قيلت في لحظة غضب! وكم من زواج انتهى بسبب أطراف خارجية صبّت الزيت على النار بدلًا من إطفائها!

وهذا لا يعني أن كل انفصال خطأ؛ فهناك حالات يكون الطلاق فيها حلًا مشروعًا عند استحالة العشرة أو وجود الضرر. لكن المصيبة حين يتحول الطلاق إلى أول الحلول، بدلًا من أن يكون آخرها.

والزوجان الحكيمان لا يسألان: من المنتصر في الخلاف؟

بل يسألان: كيف ننتصر نحن على الخلاف؟

فالبيوت السعيدة لا تخلو من المشكلات، وإنما تتميز بوجود النضج في التعامل معها.

إذا اشتد الخلاف، فليتذكر الزوجان دائمًا: هل نحن نتحدث بعقولنا… أم أن الشيطان يصفق في الخلف؟

وحين ترتفع الأصوات، تذكروا هذا الحديث. وحين يهم أحدكما أن يقول كلمةً قاسية، فتذكروا أن هناك شيطانًا ينتظر نجاح مهمته.

فلا تمنحوه هذه الفرحة.

أطفئوا نار الغضب بالحوار، وداووا الجراح بالصبر، وامنحوا بيوتكم فرصةً أخرى للحياة.

لأن أعظم هزيمةٍ للشيطان ليست في ترك المعصية فحسب، بل في حماية بيتٍ من الانهيار.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *