في مشهدٍ تختلط فيه دموعُ الفرح بدموع الفراق؛ يُودِّع الأبُ ابنتَه، وهي تنتقل من كنف بيتها الأول إلى رحابة بيتها الجديد، ومن يد أبيها الحانية إلى يد زوجها، الذي نسأل الله أن يجعله لها سندًا، ورفيقًا، وصاحب دربٍ مبارك.
الانتقال إلى حياةٍ جديدة
لقد نشأتِ البُنَيَّةُ في بيت أبيها الذي احتضنها منذ طفولتها، فوجدت فيه الرعاية، والمحبة، والطمأنينة، وكانت بين أهلها مدللةً مصونةً، تُقرأ حاجتها وتُلبَّى قبل أن تنطق بها.
أما اليوم، وأنتِ تنتقلين إلى بيتٍ جديد، وحياةٍ جديدة، ومسؤولياتٍ عظيمة؛ فستجدين اختلافًا في الطباع، وتنوعًا في الأساليب، وتغيّرًا في نمط الحياة، وهذا أمرٌ طبيعي، بل هو من سنن الله في خلقه.
وصيةٌ في بيتكِ الجديد
الزوج رفيق العمر
اجعلي علاقتكِ بزوجكِ في مقدمة أولوياتك، مع المحافظة على برِّ والديكِ وصلة رحمكِ؛ فهو اليوم الرجل الذي ستسكن إليه نفسكِ، ويكون لكِ سترًا وأمانًا.
احرصي على احترامه، وتقدير جهده، ومشاركته همَّه وفرحه؛ فالرجل إذا وجد من زوجته دعمًا واحتواءً، أزهرت حياته كلها.
أهلُه امتدادٌ لأسرتكِ الجديدة
كوني لهم كما تحبين أن يكون زوجكِ لأهلكِ: بابتسامةٍ طيبة، وكلمةٍ لينة، وتقديرٍ يرفع مكانتكِ في قلوبهم.
فصلة أهل الزوج بابٌ واسعٌ لبركة البيت، ودوام الألفة، وحسن العشرة.
اجعلي بيتكِ قائمًا على طاعة الله
ابني بيتكِ على تقوى الله؛ على صلاةٍ تُقام، وذكرٍ يُتلى، وخُلُقٍ يُحفَظ.
فالبيوت التي تُرفع فيها الطاعة، تُرفع معها السعادة والسكينة.
الصبر مفتاح الاستقرار
ستأتي أيامٌ جميلة، وأيامٌ تحتاج صبرًا؛ فكوني حكيمة، ولا تجعلي لحظة غضبٍ تهدم ما بنيتموه بمحبةٍ ووُدّ.
اختلافٌ في وجهات النظر
لتعلمي أيتها البُنَيَّة أن البيت لا يخلو من اختلافٍ في وجهات النظر، ولا يتحقق فيه كل ما تصبين إليه؛ فهذه طبيعة الحياة.
لكن القناعة هي معيار السعادة، وهي التي تمنح القلب اتساعًا، وتكسبكِ راحة البال، وتجعلكِ أقدر على بناء بيتٍ متماسكٍ لا تهزه العواصف.
أسس البيوت المطمئنة
إن البيوت المطمئنة لا تُشيَّد على المظاهر، بل تُبنى على قواعد ثابتة تحفظ استقرارها، وتديم سكينتها:
– التقوى: فهي الأساس الذي تُبارك به الخطوات، وتُرفع به البيوت.
– الاحترام: احترام الزوج وأهله، واحترام خصوصيات البيت، وحفظ أسراره، هو عماد العلاقة الراسخة.
– الرِّفق: فاللين يُجمِّل الحياة، ويطفئ نار الخلاف، ويزيد المودة.
– الصبر: فالأيام تتقلب، والبيوت التي تصبر تستقر وتزدهر.
– الصدق: فالوضوح يطمئن القلوب، ويعزز الثقة بين الزوجين.
ختامًا… دمعةٌ على الخد
دمعةٌ تسيل على خد الأب وهو يقول:
بُنَيَّتي…
أنتِ بنيتنا، ولن يغيب طيفكِ عنا، فإن تباعدت الأجساد، فقلوبنا مرتبطة بكِ، تزداد شوقًا ولهفةً للقياكِ.
ستبقين في عين أبيكِ تلك الصغيرة التي كانت تركض نحوه وتتعلق به، وفي قلب أمكِ تلك النسمة التي ملأت البيت حياةً وبهجةً.
وصيةُ مُشفِق
كوني يا بُنَيَّتي كما عهدناكِ: قلبًا نقيًا، وخُلُقًا كريمًا، ويدًا تُصلح ولا تُفسد، ولسانًا يُطفئ النار ولا يُشعلها.
احفظي بيتكِ، وأكرمي زوجكِ، واحترمي أهله، وكوني لبنة خيرٍ في أسرتكِ الجديدة.
واجعلي رضا الله هو البوصلة التي تهديكِ حيثما اتجهتِ، وتسدِّد خطاكِ حيثما مضيتِ.
فإن البيوت تُعمَر بالنساء الصالحات قبل أن تُعمَر بالجدران.
نسأل الله أن يجعل بيتكِ عامرًا بالمودة والرحمة، وأن يرزقكِ السعادة والسكينة، وأن يؤلف بين القلوب، ويبارك لكما، ويبارك عليكما، ويجمع بينكما في خير.
د. صلاح محمد الشيخ
مستشار تربوي وأسري
مقالات سابقة للكاتب