🖋️ ما أقسى أن تتحول الحرية إلى حلمٍ مؤجل، وأن يصبح التعبير عن الرأي داخل نطاق العمل أو الأسرة مجرد مغامرة محفوفة بالخوف والقلق. فحين تُوأد الحريات، لا يُقمع الإنسان وحده، بل تُقمع معه الأفكار والطموحات والأمنيات، وتُطفأ شموع التميز والإبداع، وتذبل الأرواح، وتُهمَل النفوس التي كانت قادرة على صناعة الحياة.
وحين يُحاصَر الفكر والرأي والطموح، يصبح الصمت لغةً يومية، ويتعلم الناس كيف يخفون مشاعرهم خلف الوجوه الجامدة. وهناك لا يُولد الخوف فجأة، بل يتسلل إلى القلب، فينمو شيئًا فشيئًا حتى يسكن التفاصيل الصغيرة؛ فتجده في الكلمة، وفي النظرة، وفي الحلم الذي يخشى صاحبه البوح به.
وتُعد الحرية من أهم القيم الإنسانية التي تقوم عليها نهضة الأمم وتقدم الشعوب، فهي تمنح الإنسان القدرة على التعبير عن آرائه وأفكاره -في حدود شرعنا الإسلامي الحنيف- واختيار المسار الذي يناسب طموحاته وقدراته. وعندما تُقيَّد هذه الحرية أو تُوأد، تتعرض الأسر والمجتمعات لحالة من الجمود الفكري والثقافي، وتتراجع فرص الإبداع والابتكار والتنمية.
فوأد الحريات لا يعني فقط منع الكلام، بل يعني أيضًا قتل القدرة على الاختيار، وتحويل الإنسان إلى ظلٍّ يعيش كما يُراد له، لا كما يريد هو. فحين تُصادَر الكرامة، يشعر الإنسان بأنه يفقد جزءًا من إنسانيته؛ لأن الحرية والكرامة توأمان لا يفترقان.
ويُقصد بوأد الحريات كبت الأصوات المختلفة، ومنع الأفراد من التعبير عن آرائهم في الحياة الأسرية والاجتماعية، وعندها تُسلب من الإنسان حرية اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبله وحياته.
ومن صور وأد الحريات التي قد تُمارس داخل الأسر ما نشاهده من حرمان بعض الأبناء من حق اختيار التخصص الدراسي الذي يتوافق مع ميولهم وقدراتهم، فكثير من الآباء يفرضون على أبنائهم تخصصات معينة بدافع الحرص على مستقبلهم، أو بدافع تحقيق رغبات شخصية، ليكونوا نسخةً منهم في مجالاتهم، دون الالتفات إلى اهتمامات الأبناء وطموحاتهم.
وقد يؤدي ذلك إلى شعورهم بالإحباط وفقدان الشغف بالدراسة، مما ينعكس سلبًا على تحصيلهم العلمي واستقرارهم النفسي.
ويأتي هنا دور الأسرة في التوجيه والإرشاد وتقديم النصح، لا في فرض القرارات؛ لأن نجاح الإنسان غالبًا ما يكون أكبر عندما يعمل في المجال الذي يحبه ويبدع فيه.
وقل ذلك أيضًا في بعض الزيجات، حيث يُفرض الزواج على أحد الأبناء من قريبةٍ له لا يرغب في الارتباط بها، أو العكس. ونجد في بعض الحالات من يُعلِّق المرأة ولا يؤدي حقوقها، وهي لا ترغب في الاستمرار معه. وقد نهى الشرع عن ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. والمعنى: تحذير الأزواج من الميل الكامل لزوجة على حساب أخرى، مما يترك الزوجة الأخرى كالمعلقة؛ فلا هي زوجة تنال حقوقها كاملة، ولا هي مطلقة حرة تملك حرية الزواج بغيره.
ومع ذلك، تبقى الحرية كالنهر الذي تُقام في وجهه السدود، لكنه يبحث دائمًا عن طريق جديد ليواصل الجريان. فالأفكار الحية لا تموت، والأصوات الصادقة قد تُؤجل، لكنها لا تختفي، والتاريخ مليء بأقوام حاولوا دفن الحرية، فإذا بها تعود أكثر قوة وانتشارًا.
وفي الختام، فإن الحرية ليست مجرد حق فردي، بل هي ركيزة أساسية لنهضة الأسر والمجتمعات واستقرارها. فوأد الحريات قد يفرض الصمت لفترة من الزمن، لكنه لا يستطيع إلغاء حاجة الإنسان الفطرية إلى التعبير والاختيار والمشاركة. لذلك يبقى احترام الحريات وصونها واجبًا، ومن ذلك حق الأبناء في اختيار مساراتهم التعليمية والمهنية، وحق المرأة أيضًا في اختيار حياتها الشخصية؛ فإن ذلك من أهم المقومات التي تسهم في بناء مجتمع مزدهر قادر على تحقيق التقدم والتنمية.
✦ إضـــــــ💡ــــــــاءة:
ستظل الحرية مطلبًا خالدًا في قلب كل إنسان؛ لأنها ليست شعارًا يُرفع، بل حقٌّ يولد مع الروح، ويظل حيًّا ما بقي في الإنسان نبضٌ وأمل.
منى بنت سعود الشعلان
مقالات سابقة للكاتب