🖋️ يعجز القلم عن تسطير ما أكنُّه من محبة وتقدير لوالدي – رحمه الله -، الذي كان لي بمنزلة المعلِّم الأول في هذه الحياة؛ فلكم استفدت من مدرسته الفريدة والثرية بأعماله الجليلة والخفية، حتى وهو مُسجًّى على فراش الموت:
لقد كانت في حياتك لي عظاتٌ
وأنت اليوم أوعظُ منك حيًّا
وفي هذه الإلماحة السريعة أذكر مواقف من حياته – رحمه الله – قد استوقفتني كثيرًا، وما زالت ماثلة أمام عيني، عالقة في ذاكرتي، مدونًا لها في هذه المقالة؛ لتبقى خير موروث تختزنه ذاكرة أبنائي وبناتي وأحفادي، رجاء أن يقتدوا بها؛ لإنارة حاضرهم ومستقبلهم:
لم يبقَ شيءٌ من الذكرى نخبئه
إلا الحنين ودمعٌ في مآقينا
ومن جملة هذه المواقف والذكريات لوالدي – رحمه الله تعالى -:
* حرصه على حضور مجالس العلم وحلق الذكر بالمسجد الحرام، وكان كثيرًا ما يصطحبني معه في صغري لحضور هذه المجالس العلمية في أروقة الحرم وساحاته، ولربما اعتراني النوم أثناء الدرس والشيخ يشرح، ولا أفقه ما يقول:
مجالس العلم تروي كل قصتنا
إن قلت: حدثنا يحيى وسفيانُ
* حبه وإجلاله لأهل العلم، وتوقيره ودعاؤه لهم، وتأثره بوفاتهم، وحين بلغه خبر وفاة سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز – رحمه الله – جلس يبكي ويقول: «ما العيش بعد هؤلاء».
* كان – رحمه الله – كثير العبادة والصيام والتنفل؛ فلا يترك صيام الاثنين والخميس، والأيام البيض، والقيام في جوف الليل مناجيًا ربه سبحانه وتعالى:
عبادُ ليلٍ إذا جنَّ الظلامُ بهم
كم عابدٍ دمعُه في الخد أجراهُ
* قضى حياته في مجاورة البيت الحرام، ونادرًا ما كان يسافر، وكان يعمل في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمسجد الحرام، وإمامًا لمسجد حي «العتيبية» بجوار منزل الشيخ محمد السبيل أمام الحرم – رحمه الله -.
* كان يحرص على التبكير لحضور الصلاة، فيذهب إلى المسجد قبل الأذان، ولا سيما صلاة الجمعة، التي كان يرتب لها من الليل بتجهيز ملابسه وبشته وأدوات التنظيف، ويغتسل مبكرًا، ويتبخر، ثم يتطيب، ثم يذهب لحضورها في حدود الساعة التاسعة صباحًا، ولديه نسخة من مفاتيح الجامع ومسجد الحي.
* بنى – رحمه الله – مصلى خاصًا به في منزله لأداء السنن، وقيام الليل، وقراءة القرآن، أشبه ما يكون بالخلوة، وكان كثيرًا ما يجلس فيه.
* كان يتابع إذاعة القرآن الكريم عبر المذياع، ولا تُغلق في غرفته إلا عند سفره، ويستمع كثيرًا إلى القارئ الشيخ محمد سعيد نور – رحمه الله -، وهو – لمن لا يعرفه – من السودان، وعاش في مصر، وكان له أسلوب متفرد في القراءة، ثم انتقل إلى الكويت، وعاش فيها حتى توفي بها.
* قام – رحمه الله – ببناء مسجد في مكة المكرمة على سفح جبل (بريع ذاخر)، وكان كثيرًا ما يعتني به، ويرممه، ويحافظ على نظافته، ويجلب له المصاحف، ويجدد فرشه وأدواته الكهربائية، ويسدد فواتيره، إلى أن لقي الله تعالى وهو سعيد بذلك:
سل الجبل الذي أبقاه حيًّا
بمسجده وسل أين الإخاءُ
*********
وسل عنه الحجون وسل طريقًا
لسالكه بذي الدنيا نجاءُ
* كان يحب الدعابة، ويمزح مع من يعرف، من غير مجاملة، ويحرص على كلمة الحق، وله في ذلك قصص كثيرة يعرفها بعض الأقارب والمقربين إليه.
* كان يحرص على صلة أقاربه وأرحامه، ويتخولهم بالزيارة بين الفينة والأخرى، ويتفقد أحوالهم، ويهدي لهم على قلة ذات اليد، وربما استدان من أجل بعضهم لقضاء حاجته، كما كان يحرص على كفالة الأيتام ومساعدتهم.
* كان لديه دكان صغير في آخر منزله بحي «العتيبية» من الجهة الشرقية لبيع الحلوى، وغالبًا ما كان يقدم شيئًا منها للكبار والصغار في المنزل، وكذلك عند قدوم أحفاده؛ احتفاءً بهم.
* غالبًا ما كان يأخذ معه حلوى في جيبه؛ لتوزيعها على الأطفال أثناء الطواف بالحرم، وحين زيارته لبعض أقاربه في الأحياء الشعبية بمكة.
* عُرف – رحمه الله – بكرمه وسخائه، ومن شدة كرمه حرصه الدؤوب على إسكان بعض أقاربه في بيته، ممن يأتون إلى مكة ولا مأوى لهم، حتى تتحسن ظروفهم، فينتقلون برغبتهم واختيارهم.
* كان يحرص كثيرًا على إيقاظ جيرانه لصلاة الفجر قبل الأذان بنصف ساعة تقريبًا، وذلك بطرق أحد أعمدة الحي بعصاه، وكان ذلك ديدنه:
وسائلٌ عن عصاه بيوتَ قومٍ
إذا أقعى عن الفجر الأداءُ
* كان لديه قطيع من الغنم يرعاه، ويشرب من ألبانه كل ليلة، ويذبح بعضه إكرامًا لضيوفه، وتصدقًا على أقاربه وجيرانه.
* كثيرًا ما كان يحكي لنا – رحمه الله – سيرة الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -، وشيئًا من مواقفه الخالدة عبر التاريخ الإسلامي، وبعد برهة من الزمن كان يسألنا عن هذه المواقف؛ ليتأكد من رسوخها في أذهاننا، كقوله لنا: من هو الفاروق؟ وما كنيته؟ وما ذلك إلا لشدة حبه وإعجابه بهذه الشخصية الفريدة:
فمن يباري أبا حفصٍ وسيرته
أو من يحاول للفاروق تشبيهًا
* حين توفي – رحمه الله – حضر جنازته العديد من الأخيار والإخوة الفضلاء من أماكن شتى، تلهج ألسنتهم بالدعاء له وذكر مآثره، والحمد لله الذي جعل لك يا أبتِ لسان صدق في الآخرين:
ليهنك ما رأينا من شهودٍ
بأرض الله كلهمُ ثناءُ
فرحمك الله يا أبي، وغفر لك، وتغمدك بواسع رحمته، وأوفدك وفادة المقبولين، ورفعك في عليين، وجمعنا بك في جنات النعيم.
اللهم آمين.
✍️ خالد بن محمد الأنصاري
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وعضو الجمعية السعودية للدراسات الدعوية
مقالات سابقة للكاتب