قراءة في الذاكرة
“بعض الناس يحملون أسماءهم، وبعضهم تحملهم أسماؤهم. وكان عطا الله من أولئك الذين وافق الاسم فيهم الحقيقة؛ حتى بدا كأن العطاء قد اختار له هذا الاسم قبل أن يولد.”
ذلكم هو الأستاذ عطا الله غنام المغربي.
ولن نعرض لسيرته كتربوي ومؤثر اجتماعي؛ فقد وعد أبناؤه بجمع فصولها في مؤلَّف مستقل، وهو أمر إذا تحقق فسيكون بالغ الأهمية على الصعيدين العام والشخصي؛ لما للرجل من مناشط ومفاعيل، وتجربة ثرية في غران، بعد أن “وضع يده بيد راعي التعليم الأول بغران، الشيخ حميد بن نصاح الصحفي”.
ما نسعى إليه هنا هو توثيق روايته عن حريق حي المغاربة بخليص، بل نعيد روايتها على لسانه؛ لنتقاسم الفضل مع الإعلامي الأستاذ أحمد عناية الله الصحفي، الذي استطاع بمهنية عالية أن يفتح ذاكرة “ابن غنام”، التي تختزن نصف قرن من الزمان، فوثق مرحلة مات جميع شهودها، ومن بقي حيًا لا يستطيع أن يسردها بمثل أسلوب “ابن غنام”، لا في متنها وهوامشها فحسب، بل في طريقة الحكي أيضًا، حتى كأنك تقرأ فصلًا من رواية كتبها أديب خبير بآليات الكتابة.
النص:
“في ثاني أيام العيد، وفي وقت ما بعد العصر، من عام 1382هـ، وأثناء ممارسة المواليد لعبة (الحبيش)، وهي لعبة شعبية كانت تُلعب في الأعياد والأعراس، وكان الناس مجتمعين حول الملعبة، والنار مشتعلة من أجل تسخين الدفوف، وبفعل الريح طارت شرارة لتستقر في منزل مجاور، هو منزلي، الذي كان مصنوعًا من القش، شأنه شأن معظم المنازل في ذلك الوقت، المبنية من صريف النخل والطرفاء وأغصان المرخ. وهذه المكونات سريعة الاشتعال.
وما هي إلا ثوانٍ حتى اشتعل البيت، وانتقلت النار إلى المنازل المجاورة، وفي سويعات قليلة امتدت أمام حيرتنا وضعف إمكانياتنا؛ إذ لم يكن في ذلك الوقت دفاع مدني ولا فرق إطفاء، ولا وسائل اتصال، ولم يكن لدينا سوى الرمل والماء، وكانت النار أسرع انتشارًا من محاولاتنا لإخمادها، فلم تُفلح الجهود.
فهرع الناس إلى منازلهم لإنقاذ النساء والأطفال، وحمل ما يمكن حمله في سباق مع الزمن ولهيب النار. وتعالت الأصوات، وأصاب الناس الذهول، فلم يكن يُسمع سوى الصراخ، وأصوات الاستغاثة، والأيدي المرفوعة بالدعاء.
أقبل الغروب، ودنا الظلام، والحال يزداد لهيبًا وسعيرًا، وفقدنا أي أمل في إخمادها. وتكونت سحابة سوداء غطت المكان، وزادت من ظلمة الليل. ولم توقف النار سوى المنازل المبنية من الطوب والحجر والبلك، فعندها توقف زحفها، وخمدت بعد أن أتت على كل ما مرت به، حتى الأغنام في الزرايب.
وبدأت بعد ذلك عملية البحث بين الأنقاض عن بعض الأغراض، لعل شيئًا منها قد سلم. واستمر وميض الجمر حتى ساعة متأخرة من الليل، وإذا بسيارات قادمة من بعيد، وعند وصولها تبين أنها سيارات إطفاء، جاءت لإخماد ما تبقى من بقايا الحريق والأخشاب التي ما زالت مشتعلة.
ومن النوادر – والحديث للرواي – أن طائرة ركاب كانت قادمة إلى جدة، شاهد طاقمها الحريق، فأبلغوا عنه عند هبوطهم في مطار جدة.
وقد انتشرت النار بفعل اتجاه الريح بشكل مستطيل ممتد من الغرب إلى الشرق، وأتت على عدة منازل، منها: منزل عبدالحافظ محمد علي المغربي، ومرعي عبدالحافظ، ومهنا بن حامد، وأحمد بن ببشيبش، وراجي بن يوسف، ومطلق محمد المغربي، ومبارك محمد أبو سدرة، وعمران بن جبيرة، وحميد بن سليمان، ومحمد سعيد بن مرعي، وشاكر بن إسماعيل، وعبدالله أبو عجين، ومختار بن ناعم، ومحمد أبو خيشة، والفقيه نافع، وبيوت الجباريت.
انظر المقابلة كاملة في صحيفة غراس بتاريخ 16 أكتوبر 2014م (اضغط هنا ).
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب