برُّ والديك غيرُ قابلٍ للنشر

ليس من البر ولا من الأدب تصويرُ الوالدين في مقاطع مضحكة، وجعلهما محلًا للسخرية والضحك والتهريج بين الناس، أو جعلهما مصدرًا للفكاهة وإضحاك المتابعين، واللهث وراء الشهرة على حساب قلة الأدب مع الوالدين، للأسف! وذلك بعد انتهاز غفلتهما وانتهاك خصوصيتهما في جلسة، أو حديث، أو أكل، أو شرب، أو لباسٍ خاص يلبسانه في البيت، أو غير ذلك.

إذ إن لكل شخص خصوصية يتمتع بها في بيته، وجلوسه، ومزحه مع أبنائه وبناته وأحفاده وذريته.

وهذه الظاهرة الجديدة الغريبة والسيئة على مجتمعنا جاءت مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي لدى جيلنا الجديد -أصلحه الله-، ولم تكن موجودة في مجتمعنا الأول الذي رسخ احترام الوالدين وتقديرهما.

ومن التفاهة أن وصل الحال ببعضهم إلى أن ينبه ويعلن لمتابعيه أنه دخل على أحد والديه، وأنه سيقوم بعمل مقلب، أو “طقطقة” على والدته أو أبيه، أو إجراء مقابلة ساذجة مع أحد والديه، ثم ينشر ذلك كله لغرض الضحك والسخرية.

سؤالي: كيف يتجرأ هذا وأمثاله على فعل ذلك؟! وكيف يصور والديه ويضحك عليهما ويُضحك الناس عليهما؛ من أجل زيادة شهرته ومتابعيه؟! كم ينقصنا الأدب مع الوالدين!

وللأسف، فإن أغلب هذه المقاطع الرخيصة أخلاقيًا قد يكون لها وقع مؤلم في قلب الوالدين، وأقاربهما، ومحبيهما، الذين يرون لهما المكانة العظمى والمنزلة العالية، والتي أسقطها هذا الابن أو الحفيد بتصرفه السخيف. فهذا الأسلوب السوقي -عذرًا- لا يجوز، وغير لائق مع الوالدين.

ولا ينبغي لنا جميعًا أن نجعل والدينا مادة إعلامية يشاهدها العالم للضحك والسخرية والاستخفاف، من خلال تصويرهما ونشر صورهما ومقاطعهما في وسائل التواصل الاجتماعي.

ومما يزيد القلب كمدًا وحسرة أن بعضًا من أبنائنا وبناتنا يحترم الغريب أو الصديق أشد احترامًا من والديه، وقد يظهر أمام متابعيه وكأنه بار بوالديه، فيصور نفسه وهو يقبل يديهما أو رأسيهما، أو يتحدث معهما في مقطع مبتذل وممقوت، ويُظهر البر والمعروف والعلاقة المصورة مع والديه وكأنها منة يقدمها لهما، وهو لا يعلم أن ذلك أدب وواجب ملزم به شرعًا وعرفًا، قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

أمك وأبوك هما تاج رأسك، وشرفك، وعزك، وأغلى ما لديك في هذا الكون الذي تتنفس فيه.

اسألوا من فقد والديه: بماذا يشعر؟! وماذا يتمنى؟!

هناك مقاطع كان الواجب ألا تُنشر، فهي غير قابلة للنشر.

واعلم أن ضحكك ومداعبتك لوالديك ومزاحك معهما في جوهما العائلي المعهود ينبغي ألا يطلع عليه الناس، ولا يشاهده أحد.

ومن الصور السيئة للعقوق أيضًا: تصوير أخطاء الوالدين وتصحيحها أمام الكاميرا لمتابعيه، والضحك عليهما بسبب كلمة لا يحسن الوالد نطقها، أو أمر لا يعرفه، ثم إخراجه للناس بصورة الجاهل الرجعي الذي لا يعرف شيئًا في زمنه، مع مزاح ساقط في القول والفعل.

وليس من الأدب مع الوالدين كذلك أن تكون في حضرتهما الحاضر الغائب؛ تتحدث معهما بجسدك دون قلبك، بينما شعورك منشغل عنهما بهاتفك وخصوصياتك. استمع، وأنصت، وركز جيدًا لحديثهما وسواليفهما، ولو أعيداها عليك ألف مرة. اضحك لنكتتهما وطرفتهما، وإن لم ترق لك؛ فأنت تفعل ذلك مرارًا مع أصدقائك ومحبيك. كل ذلك من البر والإحسان. أشعرهما بالبر، والصلة، والعطف، واللطف، والحنان، والأمان.

فكل ذلك من البر، أما السخرية والضحك على ما يصدر منهما من خطأ فذلك من العقوق وسوء الأدب وقلة المعروف، ولا يجوز بحال.

لذا أقترح على الجهات المختصة والمسؤولة أن تضع حدًا لهذه السخافات، حفظًا لحقوق الوالدين وكبار السن من طيش السفهاء، وإلزام الجميع بتقديرهم واحترامهم وإنزالهم منزلتهم اللائقة بهم. فكما أن هناك حقوقًا للأطفال، وجمعياتٍ لحمايتهم، فحبذا لو وُضعت أنظمة ولوائح تحد من هذه السلوكيات الخاطئة تجاه كبار السن، وتحفظ كرامتهم وحقوقهم المنتهكة من سفهاء المجتمع.

وليعلم الجميع، ويتعلموا، ويقرأوا جيدًا، على اختلاف أطيافهم: أبناءً وبنات، وطلابًا وطالبات، ومعلمين، ومربين، وخطباء، وإعلاميين، أن حقوق الوالدين ليست حقوقًا نظرية أو شكلية تُدرس في الكتب، أو تُسمع في المساجد، ثم لا تطبق في أرض الواقع، بل هي أعمق وأدق؛ فهي منهج حياة، وأصل فطري أوجده الله في خلقه، والسعيد من أحسن الأدب مع والديه.

واعلم أن البر لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديان لا يموت، فاعمل ما شئت؛ فكما تدين تُدان، والجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحدًا.

اللهم ارحمهما كما ربياني صغيرًا.

عايض العصيمي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *