أثناء دخولي اليوم أحد مراكز التموينات الغذائية في جدة، استوقفني مشهدٌ أثار في نفسي كثيرًا من التأمل؛ أبٌ عربي يخاطب طفله الصغير باللغة الإنجليزية، ويحرص على تعليمه مفرداتها في مرحلةٍ لم يترسخ فيها بعد لسانه العربي.
ولم يكن استغرابي من تعليم الطفل لغةً أجنبية، فتعلم اللغات مكسبٌ حضاري وعلمي، وإنما كان مصدر قلقي أن يأتي ذلك على حساب لغته الأم؛ لغة القرآن، ولغة الوطن، ولغة الآباء والأجداد، والوعاء الذي يحمل ثقافته وقيمه وانتماءه.
إن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي هوية وذاكرة، وجسر يصل الإنسان بتاريخه وأمته ومجتمعه. فمن خلالها تتشكل شخصية الطفل، ويكتسب مفاهيمه الأولى، ويعبّر عن مشاعره، ويفهم بيئته، ويستوعب منظومته القيمية. فإذا نشأ الطفل بعيدًا عن لغته الأم، أو شعر أنها أقل شأنًا من لغة أخرى، فقد ينمو داخله شعورٌ بالاغتراب الثقافي، ويضعف ارتباطه بجذوره، حتى وإن كان يعيش بين أهله ووطنه.
ومن المؤسف أن بعض الأسر أصبحت تنظر إلى التحدث مع الأطفال باللغة الإنجليزية على أنه رمز للرقي أو التميز الاجتماعي، بينما الحقيقة أن الطفل القوي في لغته الأم هو الأقدر على تعلم اللغات الأخرى لاحقًا. فاللغة الأولى ليست منافسًا للغات الأجنبية، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه بقية المعارف والمهارات اللغوية.
إن التربية اللغوية السليمة تبدأ بأن يسمع الطفل لغته العربية في منزله، ويتقن مفرداتها وتراكيبها، ويعتز بها، ويقرأ بها، ويتحدث بها بثقة. وعندما تترسخ لديه هذه القاعدة، يصبح تعلم الإنجليزية أو غيرها من اللغات خطوةً طبيعية تثري معارفه، وتوسع آفاقه، وتمكنه من التواصل مع العالم دون أن يفقد هويته أو يذوب في ثقافة غيره.
وليس المطلوب أن نغلق أبوابنا أمام الثقافات الأخرى، بل أن نفتحها بعقلٍ واعٍ وهويةٍ راسخة. فالأمم المتقدمة لم تتخلَّ عن لغاتها الوطنية من أجل الانفتاح، وإنما جعلت لغاتها أساسًا لبناء الإنسان، ثم علّمته لغات العالم ليزداد علمًا وتأثيرًا.
إن التعامل الأمثل مع الطفل يقوم على التدرج؛ فنمنحه أولًا لغته الأم بكل ما تحمله من قيم، وثقافة، وانتماء، ثم نغذي فضوله العلمي والثقافي لتعلم اللغات الأخرى، واكتشاف الحضارات المختلفة، واحترام التنوع الإنساني. وبهذا نُخرِّج جيلًا يجيد مخاطبة العالم بلغاته، لكنه يفكر بعقله، ويعتز بلغته، ويستمد قوته من هويته.
فالانفتاح الحقيقي لا يعني أن نستبدل جذورنا بأغصان الآخرين، وإنما أن تمتد أغصاننا نحو العالم، بينما تبقى جذورنا ثابتة في أرضنا. فمن فقد لغته، خسر جزءًا من هويته، ومن حفظ لغته، امتلك مفتاح الانطلاق إلى العالم بثقة واعتزاز.
الثلاثاء 15-1-1448هـ
مقالات سابقة للكاتب