لم يعد السعي وراء الشهرة والتفاعل يقف عند حدود المألوف بل تجاوز ذلك إلى ممارسات تثير الاستغراب والأسى معاْ ومن المشاهد التي تداولها الناس مؤخراْ أن يتخذ أحد مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي من قبر والدته مكاناْ للاحتفال بتوثيق حسابه على منصة السناب شات حاملاً كعكة المناسبة ومبرراْ فعله برغبته في مشاركة والدته فرحته غير أن المشاعر مهما صدقت لا تبرر تحويل المقابر إلى أماكن للاحتفال ولا تمنح أحداْ حق تجاوز ما للموت والقبور من حرمة ومهابة في نفوس الناس.
لقد أصبح بعض صناع المحتوى يبحثون عن أي مشهد مختلف يلفت الأنظار ويجذب التفاعل حتى لو كان ذلك على حساب القيم والآداب العامة ومع اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي بات الخوف أكبر من الفعل نفسه لأن ما يفعله شخص واحد قد يتحول إلى سلوك يقلده الآلاف دون تفكير أو مراجعة.
فالمقابر ليست أماكن للاحتفالات ولا ساحات لالتقاط المشاهد المؤثرة وصناعة المحتوى شرعت زيارة القبور للعظة وتذكر الآخرة والدعاء للأموات والترحم عليهم لا لتحويلها إلى منصة لعرض المشاعر أو تحقيق الانتشار الإعلامي ولو فُتح هذا الباب لتسابق الناس إلى إدخال كل عاداتهم ومناسباتهم إلى المقابر حتى تنكسر هيبة الموت وتتحول المقابر من موطن للعظة والاعتبار إلى ساحة للمظاهر والاستعراض.
والمؤسف أن بعض المتابعين لا ينظرون إلى الفعل من زاوية صحته أو خطئه بل من زاوية عدد المشاهدات وحجم التفاعل الذي حققه وهنا تكمن المشكلة الحقيقية إذ يصبح المعيار هو الشهرة لا القيمة والانتشار لا المبدأ ومع مرور الوقت تتآكل الحواجز التي تحفظ للمجتمع توازنه ويصبح كل سلوك غريب قابلاْ للتبرير ما دام قادراً على جذب الانتباه.
إن الشهرة لا تمنح صاحبها حصانة من النقد كما أن كثرة المتابعين لا تجعل الخطأ صواباْ بل إن مسؤولية المشهور أكبر من غيره لأن أثره يتجاوز شخصه إلى جمهور واسع قد يتأثر بما يرى أكثر مما يتأثر بما يسمع ومن هنا فإن على أصحاب المنصات أن يدركوا أن تأثيرهم أمانة وأن ما ينشرونه اليوم قد يتحول غداْ إلى سلوك يتبناه آخرون.
كما أن على المجتمع ألا ينساق خلف كل ما يُعرض على الشاشات. فليس كل جديد يستحق الإعجاب وليس كل مشهد مؤثر جديراْ بالتقليد والعاقل لا يتخلى عن ميزان القيم لمجرد أن الفاعل مشهور أو أن المقطع حصد ملايين المشاهدات.
إن بر الوالدين بعد وفاتهم لا يكون بإقامة الاحتفالات عند قبورهم وإنما بالدعاء لهم والصدقة عنهم وصلة أرحامهم وامتداد أثرهم الحسن في حياة أبنائهم أما تحويل المقابر إلى مسرح للمشاهد الاستعراضية أو مناسبات الفرح الدنيوي فهو سلوك يفتح باباْ لا ينبغي أن يُفتح ويجر المجتمع إلى ممارسات تفرغ الأماكن التي تحمل في النفوس معاني الهيبة والاتعاظ من قيمتها المعنوية وما تختزنه من عبرٍ ودلالات.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى الوقوف بحزم أمام مثل هذه السلوكيات لا لأن أصحابها يبحثون عن الشهرة فحسب بل لأن السكوت عنها يطبعها في أعين الناس ويجعلها شيئاْ مألوفاْ مع مرور الوقت وما يبدأ اليوم تصرفاْ مستغرباْ قد يصبح غداْ عادة مكررة إذا غاب صوت العقل وحضرت ثقافة التقليد الأعمى.
فالمجتمعات لا تُحفظ قيمها بالشعارات، وإنما بحراسة حدودها الأخلاقية ومنع العبث بها تحت أي مبرر وإذا أصبح كل سلوك مستغرب قابلاْ للتسويق بحجة المشاعر أو صناعة المحتوى فإننا سنجد أنفسنا أمام مشهد تتراجع فيه القيم أمام الرغبة في الشهرة وتضعف فيه معايير الصواب والخطأ أمام سطوة التفاعل والمشاهدات.
مقالات سابقة للكاتب