صراع: (بين المنع والمناعة)

الهاتف الجوال امتحان وابتلاء.
شكرًا لله، ثم لك أيها الجوال؛ فقد اجتمعت فيك مقتنيات لو جُمعت لملأت غرفًا، أو كلفنا حملها مبالغ طائلة. وأصبحنا نتسمر أمامك لاستماع الأخبار العاجلة، فضلًا عن المسرحيات والأفلام الطويلة والمباريات.

ففيك التلفاز، والراديو، والتقويم، والمنبه، والمفكرة، والمكتبة، والأوراق، والأقلام، والذاكرة، بعد أن كنا نحتاج إلى حمل الكتب والأوراق والأقلام في أسفارنا. وفيك أيضًا وكالات الأنباء، ومقاييس المسافات بمختلف أنواعها، وقواميس اللغة، والترجمة، والمساحات، والتغريدات، ومقاطع التربية، والدردشة الهادفة، وتطوير لغة الحوار، وتقارب الأفكار، وكسر حاجز الخوف وصولًا إلى المواجهة والتحدي.

كما تحولت البنوك كلها إلى شاشة الجوال، وأصبحنا نقوم بأعمالها بأنفسنا دون رواتب، واسترحنا من عناء مراجعة الجهات وتسديد كثير من الفواتير.

واللوكيشن اختصر لنا الأوقات والمسافات، والقارمن دلّنا في الفلوات، وأصبح تحديد قبلة الصلاة ممكنًا في أي بقعة من العالم… إلى غير ذلك من النعم العظيمة التي تستوجب شكر الله، حين سخر لنا هذه الوسائل، وابتلانا في الوقت نفسه بحسن التعامل معها.

ومن أهم وسائل التعامل الرشيد معها:

الوعي والرقابة المهذبة.

حماية الأوقات.

متابعة وسائل التصفية والمنع والمناعة.

أن تسبق التربية التقنية.

الاستثمار الأمثل لهذه الفتوح، خاصة في الذكاء الاصطناعي، وجمع ما تفرق من المعلومات بضغطة زر.

الوعي الصحي جسديًا ونفسيًا بأضرار إدمان الأطفال والشباب للشاشات، وما قد تسببه من مشكلات في البصر والظهر والرقبة.

تعويد الأسرة على احترام أوقات الاجتماعات العائلية، ووقت الطعام، والعبادات.

ألا يكون المنع عقوبة، بل سياسة تربوية، مع إشغال الأبناء ببدائل احترافية.

تنظيم الرقابة والمتابعة لجميع أفراد الأسرة؛ لأن الرقيب قد يغفل، سواء كان الأب أو الأم أو الإخوة والأخوات الكبار.

تطوير البدائل ووسائل الترفيه لتكون أكثر جذبًا.

تحويل الجهاز إلى أداة معرفة، واكتساب مهارة.

تعزيز القيم داخل الأسرة والمجتمع؛ لتكون لدى الفرد محددات أخلاقية تمنعه من الانزلاق إلى الطريق المنحدر.

التعامل مع التيار الجارف بالتهذيب والتوظيف أكثر من المنع والإيقاف؛ لأن المبالغة في المنع قد تؤدي إلى الهزيمة أو كسر جسور التواصل.

وعلى بالي ما على بالك من مخاطر تزحف بقوة؛ من انحلال أخلاقي، وفساد سلوكي، وشبهات فكرية، وتفكيك للوحدة عبر السباب والخصومات والتعصب للرياضة أو القبيلة أو المنطقة، فضلًا عن سرعة وصول الأطفال والمراهقين إلى معلومات قبل أوانها، ومحاولات تخبيب المواطن على ولاة أمره، أو تخبيب أحد الزوجين على الآخر.

لقد أصبحت المعلومة ميسرة، وجاهزة، وقابلة للتوظيف الماكر، كما ظهرت تحديات أخرى تتمثل في التلبيس، والتزوير، والنصب، والاحتيال، إضافة إلى تحديات تواجه التعليم والمعلمين، والمنابر والخطباء.

هنا يكمن التحدي… وهنا يرتفع سقف الوعي… وهنا نتواصى بالحق والصبر.

وهنا تتجلى عظمة الإيمان والإحسان ومراقبة الله، وندرك أن الإنسان طاقة وقوة هادرة، وأنه لا بد من التكيف، والتعايش، والتطور، والتفهم، وممارسة المرونة؛ لنحقق أكبر قدر من الفائدة من هذا الفتح التقني الفضائي، الفاتن، المغري، العذب… المعذب.

استعن بالله، واتخذ الأسباب المباحة والمتاحة، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾.

د. صالح بن عبدالعزيز التويجري

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *