آلة الزمن

🖋️ قبل مدة قرأت روايةً ذات أبعاد نفسية متعددة تلامس القارئ، بعنوان «مخبوزات وذكريات» للمؤلف أحمد يوسف.

ما لفت انتباهي فيها أن المؤلف كان يُلمِّح إلى شيء أكاد أجزم أن أغلب البشر يتمنون وجوده، وهو آلةٌ تُعيد الإنسان إلى الماضي، وتمنحه عددًا محددًا من المحاولات.

جعلني هذا التلميح أتساءل: لو كانت هناك بالفعل آلة تمكِّنك من العودة إلى الماضي، وكان لديك ثلاث محاولات فقط لتغيير أو محو ذكرى مؤثرة، أو موقف ما زال أثره عالقًا في أعماقك، لكن بشرط أن ما يتم تغييره أو محوه سيؤثر في حاضرك، إما للأفضل أو للأسوأ، ولن تعرف النتيجة إلا بعد استخدام إحدى تلك المحاولات.

فهل ستُقدم على استخدامها، وتتحمل كامل المسؤولية والنتائج والتبعات المترتبة على ذلك؟ أم ستصرف النظر عنها، وتحاول تقبّل ماضيك بما فيه من أحداث، بشيء من الوعي والنضج، وتعالج آثاره بتغيير نظرتك إليه دون السعي إلى تغييره أو محوه؟

لا أحد ينكر أن هناك الكثير من المواقف التي تركت آثارًا ممتدة إلى الحاضر، في وقت لم يكن العقل فيه قادرًا على استيعابها أو إدراك أبعادها.

لكن هذه المواقف، خاصةً تلك التي يكون أثرها قويًا في النفس، تسهم في نضج الإنسان، وتزيد من إدراكه لذاته، وتُسهم في تشكيل شخصيته وطريقة تعامله مع مجريات حياته، وهو ما ينعكس على حاضره.

غير أن الاختلاف يكمن دائمًا في طريقة التعامل مع تلك المواقف باختلاف الشخصيات.

فالبعض يتعامل معها بإيجابية وشيء من التفاؤل، فيعرف كيف يستفيد منها، حتى وإن كانت مؤلمة. يمنح نفسه حق الشعور بالألم، ثم يبدأ في إعادة النظر إليها من زوايا لم يكن مدركًا لها وقت حدوثها، فتتحول إلى مصدر فائدة ونمو، سواء على المستوى الدنيوي أو الأخروي.

وفي المقابل، هناك من يتعامل معها بسلبية وشيء من التشاؤم، فيستسلم للمشاعر السلبية، وينعزل داخلها، ويجعل منها نهاية لطموحه أو عائقًا في طريق حياته، دون أن يحاول تغيير نظرته إليها أو النهوض بنفسه من جديد.

وفي الختام:

متى ما كان الإنسان صاحب وعيٍ ناضج وإدراكٍ عميق، فإنه لن يحتاج إلى مثل هذه الآلة ـ إن وُجدت ـ لأنه قادر على تحويل كل موقف يمر به إلى فرصة للتعلم والنمو، حتى وإن كان مؤلمًا أو سلبيًا.

وقد جاء في حديث أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:

«عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». رواه مسلم.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *