حين قال لي الشيخ: رُوُّحْ الله يشفيك!

كنتُ سارحاً في الصباح الباكر أرعى غنيماتي، ممسكاً بعصايّ أهشُّ بها على كل ما يعترضُ طريقي، وفي يدي زادي أتقوُّى به على حرارة الشمس، وقيظ الصيف.
لمحتُ شيخاً كبيراً، للتو انتهى من مصافحة يومه، وشرع في احتساء قهوته المُرّة المُستطابة.
ألقيتُ عليه السلام، ثم دنوتُ منه، وقال لي:
اجلس، لعلّ قهوةً تجمعنا، وزاداً يزيد وثاق معرفتنا.
دارتْ عجلة الحديث سريعاً بيننا عن أحوال الدنيا وناسها وأحداثها.
قلت له: يا شيخ، يبدو عليك علامات الوقار، وأمارات الحكمة؛فعلِّمني كيف يشفى الإنسان من جراحه؟
قال: يا ولدي، ‏نحن لا نشفى.
نحن فقط نتعلَّم كيف نُخفي انكساراتنا بطريقةٍ أكثر أناقة.
يا ولدي، ‏التخطي كذبةٌ كبيرة.
لا أحد ينسى كيف سُرِقتْ الطمأنينة من قلبه.
يا ولدي، يظنُّ الإنسان -في لحظات صفائه- أنّ الزمن طبيبٌ لا يُخطئ، وأنّ الأيام تداوي كل شيء، لكنه يكتشف -كلما تقدّم به العمر- أن الزمن لا يعالج الجراح، بقدر ما يعلّمها كيف تتوقف عن النزيف أمام الآخرين.
يا ولدي، إن ما نسميه شفاءً ليس دائماً سوى حيلة ماكرة في إخفاء الألم، وطريقة مُهذَّبة لحمْل الندوب داخل مطايا أيامنا دون أن يشعر بوجودها أحدٌ من المارة.
يا ولدي، الإنسان لا يخرج من التجارب كما دخلها، ليس لأنه أصبح أفضل، بل لأنه أصبح أكثر تعقيداً؛ ففي داخله مدنٌ تهدمت، وخيامٌ تهاوت، وأحلامٌ دُفنت، وأسماءٌ ما زالت تسكنه رغم غياب أصحابها، لكنه يتعلّم أن يبتسم بينما الخراب قائم، وأن يجيب:
“أنا بخير” بينما أجزاءٌ منه ما زالت تبحث عن نفسها بين أنقاض الأمس.
يا ولدي، إن أكثر ما يُرهِق أرواحنا ليس الألم ذاته، بل الحاجة الدائمة إلى الظهور بمظهر الجسور المتماسك.
ومن هنا تبدأ المأساة الهادئة؛ إذ يتحول الإنسان من كائنٍ يسعى إلى الشفاء، إلى ممثلٍ يتقن دور السليم، ودور المحارب الذي عاد من ساحة المعركة دون أن تنال منه السهام.
يا ولدي، وهكذا -مع مرور السنوات- يصبح الانكسار أكثر تهذيباً، ولم يعد يصرخ كما كان في البدايات، بل صار يجلس في زوايا الروح بصمتٍ نبيل، ولم يعد يحتاج إلى الدموع كي يُثبت وجوده؛لأن الألم الناضج لا يرفع صوته.
يا ولدي، يصبح هذا الألم ضجيعك في ليلك، ورفيقك في النهار.
يا ولدي، إن هذا الألم يتسلّلُ إلى طريقة النظر، إلى بطء الثقة، إلى الحذر الذي نسميه حكمة، وإلى الصمت الذي نصفه بالاتزان؛ حتى يصل مراده حين ينال من بصيرتنا وحكمتنا؛ فتغطي الغشاوة أبصارنا، وتحجب ظلماتها بصيرتنا؛ فنتيّه في صحراء الحياة بعدما كُنّا نُرشد فيها العابرين والمسافرين.
يا ولدي، أوصيك بالصبر والشجاعة مهما استبَدَّتْ بك الخطوب؛ فأكثر الناس وقاراً قد يكونون أكثرهم هشاشةً، لكنهم لا يظهرون ضعفهم؛ فالجبال -التي ننظر إليها الآن- تبدو صلبة من بعيد، لكنها في أعماقها مليئة بالشقوق التي لا يراها أحد. وكذلك الإنسان؛ كلما ازدادت أناقته في مواجهة الحياة، ازداد إخفاؤه للفوضى التي تسكنه.
ولعلّ الفيلسوف الحقيقي لا يسأل: “كيف أشفى؟” بل يسأل: “كيف أعيش مع ما لا يُرجى بُرؤُهُ؟” لأن بعض الخسارات لا تُمحى، وبعض الغياب لا يعتاده القلب، وبعض الكلمات تبقى عالقة في الذاكرة كالشظايا، قد لا تؤلمنا في كل لحظة، لكنها لا تغادرنا، وأقصى ما يمكن للإنسان فعْله حينها أن يتصالح مع ماضيه دون أن يحاول إصلاحه.
يا ولدي، الإنسان يحمل أوجاعه كما يحمل المسافر حقيبةً ثقيلة؛لا لأنها خفيفة، بل لأنه أدرك أنها أصبحت جزءاً من رحلته.
يا ولدي، عليك أن تدرك أن ثمة مفارقة عجيبة هنا تستحق التأمل.
فالإنسان لا يُخفي انكساراته لأنه منافق، بل لأنه يحب الحياة أكثر مما يعترف.
إنه يواصل السير رغم ثقله الداخلي، يزرع الفرح في وجوه الآخرين، وهو يعرف ثمن الابتسامة، ويمنح الطمأنينة، وهو يفتقدها.
يا ولدي، إن هذا الفعل ليس خيانةً للألم، بل محاولةٌ نبيلة كي لا يتحول الوجع إلى هويةً لنا.
يا ولدي، ربما ليست العظمة في أن نُشفى تماماً، لأن الكمال النفسي وهمٌ لا تمنحه الحياة لأحد.
إن العظمة أن تتحول الجراح من سجونٍ تمنعنا من العيش، إلى نوافذ نُطلُّ منها على ضعف الإنسان المشترك؛ فالندوب ليست دليلاً على انتهاء الألم، بل شهادة على أن الروح -رغم كل ما أصابها- اختارت ألا تتوقف عن المضي قُدمَاً في رحلة الحياة.
يا ولدي، إننا لا نُشفى كما تلتئم الجروح في الجسد؛ وإنما نتعلم لغةً جديدة للتعايش والتصالح مع النقص، ونكتسب فناً خفياً في ترتيب الفوضى الداخلية؛حتى تبدو أرواحنا من الخارج متماسكة، بينما هي في الداخل تواصل محاولاتها المستميتة مع ما انكسر فيها.
يا ولدي، إن أكثر الناس أناقةً قد لا يكونون أولئك الذين لم يعرفوا الألم، بل أولئك الذين نجحوا في تهذيبه؛ جعلوه أقل صخباً، وأكثر عمقاً، وأشد كثافةً في حضوره الإنساني.
يا ولدي، في المدرسة -من المؤكد- أنك قرأتَ، وعلمّوُّكم قول الله تعالى:
‏﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
وأكيد أن معلم اللغة العربية درَّسكم قول الرافعي:
‏”إنّما يُربَّى الإنسان بآلامه، كما تُربّى السُّيُوفُ بِجمرِ النّار”
وقرأ عليكم قول جلال الدين الرومي:
“عندما تتجاوز أحزانك؛ ستدرك أنها كانت سُلَّماً لا سِجْناً”
فعليك بتدبر هذه المعاني، والعمل بها؛ فهي خير دليلٍ في متاهة أحزانك، ونِعْم الرفيق لتجاوز أخاديد انكساراتك وخيباتك.
يا ولدي، ليست الحكمة أن تختفي الندوب، بل أن تكفّ عن طلب الاعتذار لوجودها، أو التذمر من حضورها، وأن تدرك أن الإنسان لا يُقاس بما نجا منه، بل بما تعلّم أن يحمله دون أن يفقد قدرته على الحُبّ، وعلى الدهشة، وعلى بذل الخير، وعلى منح الجمال والإلهام، وعلى مواصلة رحلة الحياة.
وانفضَّ مجلسنا، وقمتُ أفتشُّ عن غنيماتي، ولسان حالها يقول: “قد رجعتَ لنا بحالٍ غير الذي تركتنا به”!.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *