روشتة وعي
فلسفة الألم عند أصبعنا الصغير!
سليمان مسلم البلادي
حين نصطدم بأصبع قدمنا الصغير؛ يتحول هذا الألم -فجأةً- إلى مركز الانتباه كله، متجاوزاً كونه مجرد وخزة عابرة في طرف الجسد. في تلك اللحظة القصيرة؛ يتقلّص العالم من اتساعه الهائل، وتنكمش الفكرة الكبرى للحياة، وتتراجع المشاريع والأحلام والذكريات؛ ليبقى الوعي كله محصوراً في بقعةٍ صغيرة نابضة بالألم. في لحظة اصطدام أصبعنا الصغير؛ يبدو وكأن الإنسان… المزيد
الحياة داخل حوض سمكة!
سليمان مسلم البلادي
ذات يوم قادتني خطاي إلى محل أسماك الزينة. ملأ العامل حوض الاستحمام بالماء، ووضع فيه أسماكه؛ كي يتمكن من تنظيف حوضها الزجاجي. وبعد أن كشط تلك الطبقة الرقيقة المتكونة على الجدران الصغيرة لمسكنها الذي يحاكي الأعماق، عاد ليخرجها من حوض الاستحمام. أصابني الذهول حين وجدتها متكومة في مساحة ضيقة لا تتجاوز حجم حوضها الأصلي، رغم… المزيد
قنافذ شوبنهاور!
سليمان مسلم البلادي
ثَمَّة حقيقة موجعة في الوجود الإنساني لا يلتفت إليها الناس إلا بعد أن تُرهقهم العلاقات، وهي أن الإنسان خُلِق محتاجاً إلى الآخرين، وخائفاً منهم في الوقت ذاته. وهذه المفارقة العجيبة تحديداً هي ما عبّر عنها الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور حين صاغ ما عُرف لاحقاً بـ (معضلة القنفذ) في عام 1851م ، تلك الاستعارة الفلسفية التي… المزيد
اليد النيجيرية تعرف طريقها إلى الفم!
سليمان مسلم البلادي
حتى عندما لا نستطيع الرؤية، نعرف كيف نطعم أنفسنا. وحتى عندما لا يكون الطريق واضحاً، يظل القلب ينبض دون توقف. وحتى في لحظات الخوف، يظل هواء كل شيء يملأ الرئتين ويغادرهما. وحتى عندما تتكاثف الغيوم وتحجب النور، تستمر الشمس في سكب ضيائها على الأرض. ولعلَّ هذا يجعلنا نستدعي مثلاً من أمثال قبائل إيدوما في نيجيريا… المزيد
فلسفة التربية بالعواقب!
سليمان مسلم البلادي
التربية الحقيقية هي التي تُنضِج الوعي عبر الفهم، وليست تلك التي تُروِّض السلوك عبر الخوف. فالعقاب -في جوهره- خطابٌ خارجيّ يُملى على الطفل من سلطة أعلى، بينما العواقب هي لغة الواقع نفسه؛ صادقة، لا تنحاز، ولا تحتاج إلى صوتٍ مرتفع كي تُقنع. والمتأمل لهما؛ يدرك أن هناك فرق دقيق، لكنه عميق، فالعقاب يقول للطفل: “لا… المزيد
فنُّ التقبُّل!
سليمان مسلم البلادي
عواصفنا الداخلية ضيفٌ عابر يقضي بعض وقته، ثم يمضي إلى حال سبيله دون أن ينال من جسارتنا النفسية إلَّا بقدرٍ محدود، وهذا القدر مصيره الزوال والتلاشي إذا أجدنا كيفية التعامل مع تلك العواصف التي عصفت بنا. وهذا لا يتأتى لنا إلَّا إذا أتقنا فنّ التقبُّل. ففي حضرة التقبُّل، لا نقف كضعفاء أمام عواصفنا الداخلية، بل… المزيد
فلسفة هوغو في المفاوضات الخفيّة!
سليمان مسلم البلادي
يظل التسويف مفاوضة خفيّة بين الإنسان ورغباته المؤجلة، وليس -كما نظنه- عجزاً عن الفعل. فنحن لا نؤجل الأعمال؛ لأننا لا نعرف قيمتها، بل لأن في داخلنا جزءاً يهاب المواجهة، مواجهة الجهد، ومواجهة النقص، ومواجهة احتمال ألا نكون بالصورة التي نريدها لأنفسنا. ولهذا؛ فإن معركة الإنجاز ليست دائماً مع الوقت، بل مع النفس حين تُتقن فنّ… المزيد
طفولتنا.. براءة البدايات،وبؤس النهايات!
سليمان مسلم البلادي
الطفولة أجمل وأعذب البدايات؛ فهي التي تمنحنا -في أول العمر- ضحكاتٍ بلا سبب، ودهشةٍ بلا خوف، وفضولاً دون قيد، وأحلاماً بلا حدود؛ لنخبئها مؤونةً للأيام القاسية، ودرعاً واقياً ضد خطوب الطريق. وكأن الطفولة غدت لنا مخزناً للضوء الذي سنحتاجه حين تكثر العتمات، وكأنها تعرف أن الحياة ستدفعنا بعيداً عن تلك البدايات، لقد كانت تعلم أن… المزيد
إنّ البشر تشابه علينا!
سليمان مسلم البلادي
في عالمٍ تجاوز تشابه الوجوه إلى تشابه الأقنعة؛حيث أصبح الإنسان يلبس الفكرة كما يلبس الثوب، ويغيّر قناعاته كما يغيّر نبرة صوته؛ حتى لم نعد نعرف: من يتكلم؟ ونتيجةً لذلك؛ غدتْ الأرواح نسخاً متكرّرة، لا نكاد نميّز فيها صوت الإنسان من صدى الجماعة؛ فترى الوجوه كثيرة، لكن الأفكار قليلة، وتسمع الآراء مرتفعة، لكن المعاني منخفضة؛ وكأن… المزيد
حرامية العيد!
سليمان مسلم البلادي
يأتي العيد لا بوصفه تاريخاً في التقويم، بل كحالةٍ وجودية تتجدّد فيها الروح، وكأن الزمن نفسه يخلع ثوبه القديم، ويرتدي براءة اللحظة الأولى، ويتوشح الدهشة في أبهى صورها. العيد ببهجته معنى يُضاف إلى إنسانيتنا؛ إذ تتراجع فيه قسوة الأيام خطوة، وتفسح المجال لشيء أكثر صفاءً،شيء يشبه الطمأنينة حين تعود إلى قلبٍ أنهكه الانتظار. ففي العيد،… المزيد
خبر عاجل!
سليمان مسلم البلادي
أكثر ما نشاهده هذه الأيام على شاشات القنوات الفضائية عبارة (خبر عاجل)، وكأن العالم يقف في طابور طويل من تدفُّق الأخبار. إن عبارة «خبر عاجل» ليست مجرد جملة تُكتب على شريطٍ أحمر يمرّ أسفل الشاشات، ولا هي مجرد إشارة إعلامية إلى حدثٍ طارئٍ وقع قبل لحظات، بل هي في جوهرها إعلانٌ فلسفي عن طبيعة الزمن… المزيد
الفضائل الوطنية وقت الأزمات
سليمان مسلم البلادي
في وقتٍ تتزاحم فيه الأصوات والصور، وتتدافع الأخبار نحو أسماعنا وأبصارنا، يتسابق البعض -للأسف- في الفوز بأولوية النشر والإخبار دون تمحيص، ودون أن يكلف نفسه أخْذ الأخبار من مصدرها الرسمي، في حين كان لزاماً تلقْي تلك الأخبار من مصادرها الرسمية. ففي وقت الأزمات، يصبح الخبر من مصدره الرسمي ليس مجرد معلومةٍ تُتداول، بل فعلُ وعيٍّ… المزيد
الذَّاكرة.. الكائن الخفيّ الذي يسكننا، لكنه لا يخضع لنا!
سليمان مسلم البلادي
ما الذي نتذكره ؟ وما الذي نتجنبه عندما نُقلِّب أرشيف ذاكرتنا؟ يبدو أن ذاكرتنا في أكثر الأوقات تتخلى عنا،وتنحاز لرغبتها في اصطفاء ما يروق لها دون أن تضع في ذهنها اعتباراً لنا. حينها نشعر أن ثَمَّةَ ثقب في جدار ذاكرتنا؛تتسلل منه تلك الأشياء التي تقض مضجعنا؛لتنفذ من ذلك الثقب وتسكن في أقاصي ذاكرتنا؛لتمارس معنا مخاتلةً… المزيد
مناظرة بين النور والظلام!
سليمان مسلم البلادي
الفرق بين النور والظلام ليس مجرّد لعبة لغوية، بل هي انقلاب في المفهوم ذاته؛ إذ تعوّدنا أن نّعدّ الضوء قرين الإبصار، والظلام قرين العمى، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً، وأن الرؤية ليست فعل عينٍ فحسب، بل فعل وعي. فالضوء الكثيف حين يفيض؛ يُسَطّح الأشياء، ويجعلها مكشوفةً حدّ الابتذال، وحاضرةً حدّ الاعتياد. فنحن في وضح النهار نرى… المزيد
هذه الأجزاء.. جميعهم أنا!
سليمان مسلم البلادي
ليست النفس الإنسانية سطراً مستقيماً يُقرأ بسهولة، بل هي مخطوطة قديمة، تتداخل فيها الحروف، وتتزاحم فيها المعاني، وتتناوب عليها الفصول. فنحن لا نعيش بحالةٍ واحدة، ولا نسير بروحٍ واحدة، بل نحمل في داخلنا أصواتاً متعدّدة، تتجادل أحياناً، وتتعارك غالباً، وتتصالح أحياناً، لكنها في النهاية تنتمي إلى ذاتٍ واحدة، كما قال محمود درويش: “جزء مني يقاوم،… المزيد
(وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبَا).. عندما تلبس الأحلام أكفانها !!
سليمان مسلم البلادي
بداية ظهور الشيب لا يمكن وصفه بعلامة زمنية فقط، بل كشْفٌ روحيّ عن لحظة التحوّل الكبرى في وعي الإنسان بنفسه وبالطريق. فظهور الشيب ليس انطفاءً للجسد، بل يقظةً للروح. فالشيب لا يأتي ليعلن الهزيمة، بل ليُسقط الأوهام واحدةً بعد أخرى. فهو رسولُ الحقيقة حين تَسقُط الزينة، وتخفت ضوضاء الرغبات، وينخفض ضجيج النزوات، ويصير الإنسان أقرب… المزيد
البطريق الذي ترك القطيع!
سليمان مسلم البلادي
تدوالت وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية قصة البطريق في الفيلم الوثائقي، هذا البطريق الذي ترك فجأةً القطيع متجهاً وحده نحو الجبال، قاطعاً 70 كم، بعدها توقّف البطريق،سقط، ثم زفر آخر أنفاسه، ومات. مشهد خروج هذا البطريق ضجَّتْ به وسائل التواصل الاجتماعي، وأحدث ارتباكاً ذهنياً؛ أفْضَى إلى حضور دهشة السؤال على غيمات الفضول، وغياب الإجابة… المزيد
الملل.. عندما نواجه الزمن عاريًا!
سليمان مسلم البلادي
الملل مرآة دقيقة لحقيقة وجودنا حين تتعرّى من الزينة، وليس حالة فراغ عابرة، ولا ضجراً كسولاً كما اعتدنا أن نصفه. في حالة الملل، لا يحدث شيء خارق، ولا يقع ما يُدهشنا، ومع ذلك يحدث أخطر ما في الحياة، وهو أن نواجه الزمن عارياً، بلا أحداث تبرّر مروره، وبلا أعذار تبرّر أعمارنا. نحن نخاف أو نكره… المزيد
متلازمة “التعب والليل” بين نيتشه وابن القيم..
سليمان مسلم البلادي
حين يهبط الليل؛لا يهبط معه السلام بالضرورة،بل يحدث العكس أحياناً؛كأن الظلام يرفع الغطاء عن شيءٍ كنا نُحسن إخفاءه طوال النهار. يقول الفيلسوف سينيكا: ”الليل لا يزيل قلقنا،بل يدفعه نحو السطح” ففي النهار نحن كائنات عملية،نتحرك،ننجز،نُقنع أنفسنا بأن الأمور تحت السيطرة،ونؤدي أدوارنا بإتقانٍ معقول قدر الإمكان،ونبني حول وعينا جدراناً من الانشغال،لكن ما إن ينسحب الضوء وتخفت… المزيد
التحيُّزات المعرفية .. حينما لا نُفكّر،بل نُبرّر !!
سليمان مسلم البلادي
العقل البشري لا يعمل كمرآة صافية تعكس الواقع كما هو،بل كعدسة مصقولة بتاريخها،مثقلة بتجاربها،ومائلة -من حيث لا تشعر- إلى الزاوية التي تمنحها الطمأنينة والارتياح. فنحن لا نرى الأشياء غالباً كما هي،بل كما نحب أن تكون،أو كما اعتدنا أن نراها. من هنا تبدأ الحكاية مع التحيّزات المعرفية،تلك الانحرافات الهادئة التي لا تصرخ في وعينا،لكنها تقوده من… المزيد
زواج مختصر!
سليمان مسلم البلادي
بين حفل زواجٍ كبير، تسير بخبره الركبان، وتطرب له الآذان، وبين حفل زواجٍ مختصر، استقى معناه من هدي النبوة الصافي، ويُقاس بصدق اللحظة لا بعدد المعازيم، وبقيمة المشاركة لا بحجم وتكلفة الفاتورة، لم تعدْ الدعوة إلى حفل الزواج مجرّد بطاقة تحمل اسمين وتاريخاً، بل صارت بياناً اجتماعياً معلناً، يكشف موقع الإنسان من ثقافة الاستعراض، وحدود… المزيد
“إيبو نوح”.. حين يفيض الجهل،ويجف الوعي!
سليمان مسلم البلادي
تناقلت الكثير من محطات الأخبار هذه الأيام خبر الرجل الغاني “إيبو نوح” الذي ادَّعى النبوة ويقول إن الله تعالى أمره ببناء السفن لإيواء وإنقاذ الناس من طوفان عالمي سيكون في 25 ديسمبر 2025 مؤذناً بنهاية العالم في هذا التاريخ. وذكرت محطات الأخبار أن أتباع “نوح” باعوا ممتلكاتهم وقدموا له المال لإنقاذهم بالسفن المزعومة. إننا حين… المزيد
الرجل الذي انتقم من فضائله!
سليمان مسلم البلادي
الإنسان المخذول لا ينتقم ممّن خذله، بل ينتقم من نفسه في أرقّ ما فيها. فحين تضيق به السُّبل، ويخذله المعنى قبل الأشخاص؛ لا يجد سيفاً أيسر من فضائله ليكسره. فالفضيلة، حين لا تجد اعترافاً، ولا صدى؛ تتحول من نعمةٍ إلى عبء، ومن نورٍ إلى مرآةٍ تُذكّره بما كان يتمنى أن يكونه العالم. المخذول لا يولد… المزيد
اللُّطْفُ الخَفيّ في المَنْع الظَّاهِر!
سليمان مسلم البلادي
ثمَّة لحظاتٍ في حياة الإنسان تبدو وكأنّ الكون قد انقلب عليه: أبواب تُغلق،خطط تتعثر، فرص تفرّ من بين الأصابع، وأسبابٌ كان يظنها طريقه إلى السعادة؛ فإذا بها تنقطع فجأة بلا تفسير. فقد يسعى الإنسان بقلبه ويده إلى أمرٍ من أمور الدنيا: وظيفة، زواج، منصب، تجارة، فرصة يظنّ أنّ فيها سعادته ورزقه، ثم يُغلق الباب، وتتعرقل… المزيد
التوقعات الصامتة!
سليمان مسلم البلادي
تتشكل التوقعات الصامتة في أعماق النفس كما تتشكل الأمواج في قلب البحر قبل أن تراها العين. إنها تنشأ بلا إعلان، وتتسلل إلى طرق تفكيرنا وسلوكنا، كأنها قوانين خفية تحكم علاقتنا بالآخرين من وراء حجاب. هذه التوقعات لا نخبر بها أحداً، ولا نُدوّنها في كلمات، لكنها تظلّ هناك، تتحرك في الخلفية، تُراقِب، وتُصدر أحكامها في صمتٍّ… المزيد