فلسفة هوغو في المفاوضات الخفيّة!

يظل التسويف مفاوضة خفيّة بين الإنسان ورغباته المؤجلة، وليس -كما نظنه- عجزاً عن الفعل.
فنحن لا نؤجل الأعمال؛ لأننا لا نعرف قيمتها، بل لأن في داخلنا جزءاً يهاب المواجهة، مواجهة الجهد، ومواجهة النقص، ومواجهة احتمال ألا نكون بالصورة التي نريدها لأنفسنا.
ولهذا؛ فإن معركة الإنجاز ليست دائماً مع الوقت، بل مع النفس حين تُتقن فنّ الهروب من واجباتها وهي ترتدي قناع الراحة.
ولقد عالج الكاتب الشهير “فيكتور هوغو” تسويفه؛ لينهي روايته بطريقته العجيبة، حين أمر خادمه بحبس كل ملابسه في خزانة، وأخذ المفتاح بعيداً؛ ليصبح خروجه من المنزل مستحيلاً.
فهذا الكاتب الكبير حين ضاق ذرعاً بتسويفه، لم يُلقِ خطبة على نفسه عن الانضباط، ولم ينتظر دفعة الإلهام، بل صنع حول ضعفه جداراً ذكياً، حيث جرّد نفسه من إمكانية الهروب،وكأنه أدرك مبكراً أن الإرادة وحدها -مهما سمتْ- تظلّ قابلة للإنهاك، وأن الإنسان الحكيم ليس من يثق دائماً بقوته، بل من يعرف مواضع ضعفه؛ فيُحسن تدبيرها.
وعندما نتأمل المعنى من هذه القصة؛ نجد أنه لا تبدو الحيلة التي فعلها هوغو مجرد تصرّف طريف، بل فلسفة كاملة في فهْم الطبيعة البشرية، وكيفية توجيه بوصلة المفاوضات لصالحه، فالدماغ بطبيعته ينحاز إلى الطريق الأقصر، ويبحث عن أقل كلفة ممكنة، لا لأنه كسول بالمعنى الأخلاقي، بل لأنه مبرمج على الاقتصاد في الطاقة.
إنه حين نترك أمام أنفسنا أبواب التشتت مفتوحة؛ فإننا في الحقيقة لا نختبر إرادتنا، بل نُغري هشاشتنا؛ وهكذا تبتلعنا القوة الناعمة لمغريات الراحة، وتكتسح بلاد أهدافنا جيوش التسويف.
لهذا؛ فإن علاج العادات السيئة لا يبدأ دائماً بالوعظ، بل بإعادة تصميم الطريق الذي تسلكه نحو بلوغ غاياتك، وأن تجعل الوصول إلى ما يضعفك أصعب، وأن تجعل الوصول إلى ما يبنيك أسهل.
إن القوة الحقيقية ليست أن تنتصر كل يوم في معركة داخلية مرهقة، بل أن ترتّب حياتك؛ بحيث تقلّ المعارك أصلاً، فالحكمة ليست في كثرة المقاومة، بل في حسن هندسة الظروف المحيطة بك لما يعود عليك بالنفع والفائدة.
نحن نبالغ أحياناً في تمجيد الصراع، مع أن النضج قد يكون في تقليل دواعي السقوط. فمن يبعد هاتفه ساعةً ليقرأ، أو ينام مبكراً ليصحو نشيطاً، أو يبتعد عن رفقة تستنزفه، لا يمارس ضعفاً، بل يمارس فهْماً عميقاً لنفسه.
 وبذلك ندرك أنه ليس كل انتصار بطولة صاخبة، فبعض الانتصارات العظيمة تبدأ بباب نغلقه، أو مفتاح نُبعده، أو عادة نُصعّب عليها العودة.
إن الحرية ليست أن نفعل ما نشاء في كل لحظة، بل أن نبني لأنفسنا شروطاً وضوابط تجعلنا أوفى لما نريد أن نصير إليه، فالإنسان لا يسمو حين يهزم العالم، بل حين يكفّ عن التواطؤ مع ما يؤخره عن ذاته.
فإذا تجلّى في أذهاننا هذا المعنى؛أدركنا أن أقصر طريق إلى الإنجاز، هو أن نمنع أنفسنا من الطريق الذي يبدد أحلامنا،ويهدد حياتنا.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *