قراءة في الذاكرة
لا تستطيع تأطير صورة خليص في عيون العابرين؛ فقد تعاقب عليها حجاج ورحالة عرب وأجانب، حيث تقف خليص كواحة لا تكتفي بأن تكون محطة عبور، بل تتحول في ذاكرة العابرين إلى مشهد حي من الماء والنخيل والبساتين. وإن أسهم المشتغلون بكتابة التاريخ في ذكر ما ورد عنها صراحة، فإن ما بقي قيد المجهول من المخطوطات غير المنشورة، والنصوص غير المترجمة، كثير. لذا، كلما طوينا صفحة، ينتابنا قلق الاكتمال وهاجس كتابة السطر الأخير في الرواية؛ فيقودنا البحث، وأحيانًا الصدفة، إلى استحضار نص وشاهد من غير أهل الدار:
المؤلف: جون لويس بيركهارت
الكتاب: رحلات إلى شبه الجزيرة العربية
الترجمة: هتاف عبدالله
الناشر: مؤسسة الانتشار العربي
الطبعة الأولى: 2005م
(ص 34 – 35 – 248 – 249 – 254 – 256)

أُشير إلى خليص في الصفحات المذكورة إشارات عابرة في سياق الحديث، إلا أن أهم النصوص الواردة في متن الكتاب ما جاء في الصفحتين (248 – 249)، ونصه:
“تقع خليص على سهل عريض واسع، تُرى بساتين البلح في أجزاء عديدة منه، وحقول تُزرع فيها الذرة والبامية والدخن. وقد تناثرت عليه عدة قرى تشملها خليص العامة، وتُدعى أكبرها حجمًا (السوق)، حيث يخيم الحجاج بالقرب منها. وتجري ساقية صغيرة فاترة كتلك التي في وادي فاطمة قرب السوق؛ تجمع مياهها خارج القرية في بركة صغيرة باتت مهدمة الآن، ثم تروي السهل. وهناك قرب البركة أنقاض سبيل. وحسب كلام قطب الدين، فقد بنى البركة والسبيل قائد بك، سلطان مصر، سنة 885 هجرية.
كان لخليص في ذلك الوقت أميرها الخاص، وكان شخصًا ذا نفوذ وسلطة في الحجاز. وقد رأيت الكثير من الماشية والأبقار والغنم؛ غير أن العرب كانوا يشتكون من الجفاف الذي تعاني منه مزارعهم، لأن الأمطار لم تهطل بعد، على الرغم من أن الموسم كان متقدمًا جدًا. كما أن المياه في الساقية لا تبدو كافية لري الأراضي المزروعة كلها، وكانت أقل من اللازم، إذ إن نصف هذه الكمية كانت تتسرب من الأقنية الضيقة بسبب الإهمال…
تحتوي قرية (السوق) على نحو خمسين منزلًا، بُنيت كلها من الطين، وهي منخفضة جدًا، وتمتد على طول شارعها الرئيسي متاجر يديرها أهل خليص، ويرتادها بدو الجوار جميعهم. والتمر هو السلعة الرئيسة للبيع، وكانت تمتلئ به معظم المتاجر، ويباع في غيرها الذرة والشعير والعدس والبصل من مصر، والأرز ومواد أخرى للمؤن؛ لكن الحنطة لا تباع هنا لأن بدو الحجاز لا يستخدمونها إلا قليلًا.
وهناك أيضًا التوابل وبعض الأدوية، ولحاء شجرة لصبغ قرب الماء، وقليل من الزبدة. ولم أجد أثرًا للحليب، لأن أحدًا لا يرغب في أن يُطلق عليه نعت (بائع الحليب). وبجانب الساقية كان يقوم مسجد متقن البناء قرب شجر الجميز…
وخليص هي المقر الرئيسي لقبيلة زبيد العربية، وهي فرع من بني حرب، ومقر إقامة شيخهم. إن الجزء الأكبر منهم بدو، ويمضي العديد منهم جزءًا من السنة تحت الخيام في الصحراء، حتى أولئك الذين يزرعون الأرض، وذلك بغية ترك ماشيتهم ترعى العشب البري. وتختلط بعض عائلات بني عامر – وهي فرع من قبيلة حرب – مع هذه القبيلة في خليص.
وقبل الاحتلال التركي، كانت العملة المعتادة في تلك السوق هي (الدُّرّة) Dhourra، لكن في الوقت الحاضر يتم تداول (الليرة والبارة). وترسل خليص غالبًا قوافل صغيرة إلى جدة التي تبعد مسافة يومين أو ثلاثة أيام. وقيل لي إن الجبال المجاورة كانت تكتظ بالبدو. وعلى مسافة ثلاث ساعات باتجاه الشمال الشرقي وادٍ خصيب يُدعى (وادي خوار)، ويُعرف بمزارع الموز العديدة التي تزود أسواق الفاكهة في مكة وجدة.”
انتهى الاقتباس من الكتاب المرفقة صورته.
تنويه: يتحدد زمن الرحلة بين (يوليو 1814م – أبريل 1815م).
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب