قوس المطر

جلس هو وصاحباه في أحد المقاهي الهادئة، كانت فناجين القهوة تتبادل البخار مع أحاديث الجالسين المسائية، بينما تمضي الحياة خارج النوافذ مسرعة كعادتها. ظل صامتًا لبرهة، يقلب بصره بين الوجوه العابرة، ثم وضع فنجانه على الطاولة، ومال نحوهما كأنه يهمس بسرٍ قديم، وقال: أتدريان؟ من جواهر الإنسانية أن الإنسان يواجه في حياته اليومية عوارض ومواقف متباينة، تختلف مجالاتها وتتعدد ظروفها، لكنها جميعًا تحمل اختبارًا خفيًا، فإما أن تزيده ثباتًا، وإما أن تكشف له جانبًا لم يكن يعرفه عن نفسه، أو منحنى من منحنيات فطرته التي خُلق عليها. في بعض تلك المواقف تشعر أنك تقف أمام خطوط وهمية لا تراها العين المجردة، لكنها موجودة في أعماقك أكثر من وجودها في الواقع، خطوط لا تُرى، ولكنك تحس بها وتسكنها. عندها يخيل إليك أنك أمام خط الاستواء، نقطة الصفر عرضًا، ومع ذلك يقوم بدور عظيم في تقسيم العالم شمالًا وجنوبًا، رغم أنه في نظر العلماء مجرد خط وهمي اتُّخذ مرجعًا لفهم المناخ والتضاريس واختلاف البيئات. وكذلك هي بعض المواقف في حياتنا، لا وجود ماديًا لها، لكنها ترسم حدودًا فاصلة بين ما كنا عليه وما سنصبح عليه، وبين قرارٍ نتخذه وقرارٍ نتراجع عنه، وبين إنسانٍ كنا نظنه وآخر اكتشفناه في داخلنا. وفي بعض الأحوال لا تشعر أنك أمام تلك الخطوط فحسب، بل تشعر أنك أنت نفسك قوس المطر، تدور بداخلك ظواهر فيزيائية وبصرية وإنسانية في آن واحد، تنشأ معركة صامتة نتيجة انكسارٍ ما، وتحلل ضوء الأمل الكامن في داخلك، كما يتحلل ضوء الشمس داخل قطرات المطر المعلقة في الهواء، فتظهر ألوان متعددة تبدو جميلة للناس، بينما لا يعلمون شيئًا عن لحظة الانكسار التي سبقتها. إن من أجمل ما في الناس لا تصنعه الأيام الهادئة، بل تشكّله العواصف التي عبرها بصمت، والجراح التي داواها بعيدًا عن الأعين، والصبر الذي لم يصفق له أحد. فكثيرون يا صاحبيَّ المقهى، يرون ألوان القوس معلقةً في السماء، ولا يرون المطر الذي سبقها، ويرون جمال المشهد ولا يشعرون بوطأة العاصفة التي صنعته، ويرون هدوء الوجوه ولا يسمعون الضجيج الذي تعيشه الأرواح في خلواتها، فبعض العواصف لا تقتلع الأشجار، بل تغيّر الإنسان. مدّ يده إلى قارورة الماء المثلجة، وأدار غطاءها على مهل، وكأن الفكرة التي يحملها تحتاج هي الأخرى إلى شيء من التروي، ثم قال: هناك من يظن أن هدوءك رضا، وأن ابتسامتك قبول، وأن استمرارك دليل على أنك تجاوزت الأمر. ولا يعلمون أنك ربما تجرعت الصبر جرعةً بعد أخرى لأسباب أكبر من الموقف نفسه، أسباب لا تبدو ظاهرة الآن، ولا تلوح ملامحها في الأفق القريب، لكنها حقائق تعيشها وحدك، تشبه ما تراه في مرآة سيارتك الجانبية، لا تخبرك كم تبعد الأشياء عنك، لكنها تؤكد أنها موجودة، وأن تجاهلها لا يلغي حقيقتها. فالصبر لا ينفي الرضا، كما أن الرضا لا يغني عن الصبر شيئا، الصبر رفيق الطريق، والرضا ثمرة الوصول، قد يصبر الإنسان وهو ما يزال يجاهد مشاعره ويقاوم ألمه، فإذا انقشعت غيوم الحيرة واستقر قلبه على الطمأنينة، لامس معنى الرضا. ولهذا لا ينبغي أن يُفهم الصبر على أنه اعتراض مكتوم، ولا الرضا على أنه غياب للألم، فكثير من الراضين تألموا، وكثير من الصابرين كانوا في طريقهم إلى الرضا، فالحياة تحتاج إلى الصبر حين تشتد، وإلى الرضا حين تتضح الحكمة منها، وكلاهما نعمة، أحدهما يعينك على عبور الطريق، والآخر يجعلك تنظر إليه بعين أكثر سكينة. عندئذٍ همَّ بالتقاط قطعة الشكولاتة التي بقيت على الطاولة، وتأملها برهة، ثم ابتسم وقال: فالصبر يمهد الطريق للرضا، كما يمهد المطر لظهور قوسه. ثم سكت قليلًا، وكأنه يتأمل المعنى قبل أن يتابع حديثه، وقال: وكما أن بين الصبر والرضا مساحة لا يدركها إلا من عاشها، فإن بين اليأس والأمل واديًا واسعًا لا يعبره إلا أصحاب العزائم. فالأمل ليس أمنية عابرة، بل قوة تدفع الإنسان إلى الحركة والعمل، وهو ذلك الضوء الذي يبقى حاضرًا في آخر النفق مهما اشتدت العتمة، أما اليأس فليس فقدان النتائج فحسب، بل فقدان الرغبة في المحاولة ذاتها. الإنسان المتفائل لا يعيش خارج الواقع، لكنه يرى فيه أبوابًا لم تُفتح بعد، فيسعى إليها ويصنع أثره، أما من استسلم لفقر أفكاره، فأقام داخل أسوار القنوط، يحدق طويلًا في الأبواب المغلقة حتى نسي أن في الحياة نوافذ كثيرة لم يطرقها بعد ولعل أجمل ما في الأمل أنه لا يغير الظروف دائمًا، لكنه يغير الإنسان الذي يواجهها، فإذا تغير الإنسان، تغيرت طريقة رؤيته للأشياء، وربما تغيرت الأشياء نفسها. إن الفرق بين الأمل واليأس ليس فرقًا في الظروف بقدر ما هو فرق في النظرة إليها، فالأول يرى نافذةً في الجدار، والثاني لا يرى إلا الجدار نفسه. صمت قليلًا، ثم عاد إلى كوب قهوته، وارتشف ما بقي فيه، ونهض مبتسمًا وهو ينظر إلى صاحبيه قائلًا (على كل حال... من سيحاسب اليوم؟). ابتسموا جميعًا، وعادت الطاولة إلى بساطتها الأولى، بينما بقيت بعض الأفكار معلقة في الهواء، كألوان قوس المطر بعد انقضاء العاصفة. وبينما كانوا يهمّون بالمغادرة، تمتم أحدهما وهو يفرك ذقنه متأملًا (لقد جعلتَ للقهوة مذاقًا غريبًا اليوم، نشربها ساخنة أو باردة، وفي كل أحوالها تبقى مستساغة الطعم، طيبة الرائحة). ابتسم صاحب الحديث، ثم نظر إلى فنجانه الفارغ وقال (وكذلك الحياة يا صديقي... ليست كل الأيام حلوة، وليست كلها مُرّة، لكن من يتقن تذوقها يدرك أن في كل حالة منها معنى، وفي كل تجربة درسًا، وفي كل عاصفة قوسَ مطرٍ ينتظر من يراه)، ثم مضوا، وبقي المقهى كما كان، إلا أن شيئًا ما في داخلهم لم يعد كما كان.   مقالات سابقة للكاتب