الطمأنينة… نعمةُ الله المنشودة

ما من نعمةٍ يُفتِّش عنها الإنسان في دروب عمره كما يُفتِّش عن الطمأنينة. فكم من الناس جمعوا المال فلم يجدوها فيه، وبلغوا المناصب فلم يعثروا عليها فوق كراسيها، وأحاطوا أنفسهم بأسباب الراحة كلها، ثم ظلَّت قلوبهم هائمةً تبحث عن شيءٍ لا يُشترى بثمن، ولا يُنال بسلطان، ولا تمنحه خزائن الأرض لمن حُرِمَه في السماء. ذلك أن الطمأنينة ليست متاعًا من متاع الدنيا، بل نفحةٌ ربانية يسكبها الله في القلوب التي عرفته حق المعرفة، وآوت إليه بصدق الالتجاء، فرضيت بتدبيره، وسلمت لحكمته، واستراحت إلى وعده.

إنها النعمة التي إذا حلَّت في القلب ضاق عن حملها الوصف، واتسع بها الصدر وإن ضاقت الأحوال. بها ينام الفقير قرير العين على وسادته المتواضعة، بينما يتقلب الغني على فراشه الوثير يطارده القلق من كل جانب. وبها يقف المؤمن أمام المحن ثابت الجنان، كأن في صدره جبلًا من السكينة لا تزعزعُه الأعاصير؛ لأنه يعلم أن وراء الأقدار ربًا رحيمًا، وأن فوق التدابير كلها تدبيرًا أحكم وأعلم وأرحم، فلا يعجل بعجلة العباد، ولا ينسى من أحسن التوكل عليه.

ولذلك كان القرآن يردُّ القلوب إلى منبع الطمأنينة الأول، لا إلى خزائن الأرض، ولا إلى وعود الناس، ولا إلى حسابات القوة والضعف، بل إلى الله وحده: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وكأن هذه الآية تختصر رحلة البشرية كلها في كلمات معدودات؛ فما ضلَّت القلوب إلا حين طلبت السكينة في غير بابها، وما استراحت إلا حين عادت إلى ربها.

تأمل إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في أتون النار، وقد انقطعت عنه أسباب النجاة كلها، فلم يضطرب قلبه؛ لأن يقينه كان أعظم من النار، فجاء الأمر الإلهي: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. وتأمل موسى عليه السلام وقد أدركه فرعون، والبحر أمامه، والعدو خلفه، والنجاة في أعين البشر مستحيلة، فقال بلسان الطمأنينة لا بلسان التمني: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فانفلق البحر، وظهر الطريق حيث لم يكن طريق. وتأمل محمدًا ﷺ في ظلمة الغار، والمشركون على بابه، وليس بينهم وبينه إلا أن يطأطئ أحدهم رأسه، فقال لصاحبه، في لحظةٍ لو اضطربت فيها الجبال لعُذرت: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. هكذا يصنع الإيمان؛ يُبدِّل موازين النفوس، فلا يعود المؤمن يقيس الأحداث بحجم الخطر، بل بعظمة من بيده الخطر والنجاة.

وما أكثر ما يقلق الإنسان على رزقٍ قد كُتب، أو يخاف من مستقبلٍ لم يولد بعد، أو يحمل همَّ غدٍ تكفَّل الله به. ولو أنه أبصر بعين اليقين، لرأى أن كثيرًا مما أقلقه بالأمس قد أصبح اليوم حديثًا يبتسم له، وأن أقدار الله كانت تنسج له الخير من وراء ستارٍ لم يكن يراه، وتفتح له أبوابًا حسبها مغلقة، وتسوق إليه من رحماتها ما لم يخطر له على بال.

إن الطمأنينة ليست غياب البلاء، بل حضور اليقين. وليست أن تسير السفينة في بحرٍ ساكن، بل أن يكون في قلب ربانها من الثقة بربه ما يجعله يبتسم للأمواج؛ لأنه يعلم أن الذي يحفظ السفينة هو الذي يحفظ البحر. فإذا استقر هذا المعنى في النفس، صار المؤمن يمشي بين الناس وقلبه في روضةٍ من السكينة، تتعاقب عليه الأفراح والأتراح، فلا يبطر بهذه، ولا ينكسر بتلك؛ لأنه يعلم أن ربه الذي قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ لا يخذل من احتمى بجواره، ولا يضيع من استمسك بحبله، ولا يترك قلبًا علَّق رجاءه به.

فيا لها من نعمةٍ عظيمة؛ نعمةٌ إذا وُزنت بكثيرٍ من نعيم الدنيا رجحتها، وإذا سكنت القلب جعلت من أكدار الحياة جسورًا إلى الرضا، ومن مخاوف الطريق أبوابًا إلى اليقين. إنها الطمأنينة؛ هبةُ الله لأهل الإيمان، وجنةٌ معجلةٌ يتذوق العبد نعيمها قبل أن تطأ قدماه جنان الخلد. يتنعم بها من امتلأ قلبه يقينًا، وأحسن الظن بربه، فلم يجعل لكل كلمةٍ تبلغ أذنيه طريقًا إلى قلبه، ولا لكل شائعةٍ سلطانًا على فكره، ولا لكل حادثةٍ عابرةٍ قدرةً على زلزلة روحه؛ لأنه علم أن ما عند الله أوثق من ظنون الناس، وأن تدبير الله أرحم من تدبيره لنفسه، وأن من سكن قلبه إلى الله، سكنت إليه الدنيا وإن اضطربت من حوله.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *