التآكل الهادئ للعمر!!

إن أخطر ما يواجهه الإنسان في عصرنا الحالي ليس العدو الظاهر، بل ذلك التآكل الهادئ لثمين وقته في معارك لا تخصه، وفي تفاصيل لا تغني ولا تسمن من جوع. وكما قال الشاعر:

دقاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له
إن الحياةَ دقائقٌ وثوانِ

********
فارفعْ لنفسِكَ بعدَ موتِكَ ذكرَها
فالذكرُ للإنسانِ عمرٌ ثانِ

حين يغرق المرء في مستنقع التفاهة، وتذبل همته تحت وطأة الملهيات، فإنه لا يسقط في هاوية الفشل بضربة قاضية، بل يسقط ببطء، خطوةً بعد أخرى، في خفاء تام، حتى يستيقظ ذات يوم ليجد أن قطار العمر قد غادره، وأن ما تبقى من أيامه ليس إلا صدى لأوقات أهدرها في سفاسف الأمور. وكأن حال الغافل ينطبق عليه قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾، إذ إن الاستغراق في التوافه يُنسي الإنسان ذاته ومهمته العظمى في الحياة.

إن هذا الفراغ الذي يملكه المرء اليوم أمانة، وحين يهدره في غير طائل، فإنه يقع تحت طائلة الغبن الذي حذر منه النبي ﷺ بقوله: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

تبدأ هذه الرحلة حين يؤثر المرء الراحة الطويلة على العمل الجاد، ويعيش حياة بلا أهداف. وحين نراقب ما يقوم به الفرد، نجد أنه يقضي جل وقته في التنقل بين وسائل التواصل الاجتماعي التي تستنزف الوقت، وتبدد التركيز، وتصنع شخصية هشة، متناسيًا أن العظيم يترفع عن الصغائر، وكما يقول المتنبي:

وتعظم في عين الصغير صغارُها
وتصغر في عين العظيم العظائمُ

إن الساعات التي تُهدر على وسائل التواصل ليست مجرد ترفيه بريء حين يغيب عنها الوعي، بل قد تتحول إلى أداة لاستنزاف العقل، وإضعاف الهمة، والانشغال بما لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة. وقد جاءت النصوص الشرعية داعية إلى معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، والابتعاد عن سفاسفها.

ولعل المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من الناس يحرصون على متابعة دقائق حياة الآخرين، بينما تغيب عنهم متابعة أهدافهم الشخصية، ومشروعاتهم المؤجلة، وأحلامهم التي تنتظر منهم خطوة جادة نحو تحقيقها.

وما من أمة بلغت ذروة المجد إلا برجال أدركوا قيمة الوقت وأحسنوا استثماره. فالعلماء والمصلحون والقادة لم يصنعوا إنجازاتهم في ساعات اللهو والغفلة، بل في أوقات ملأوها بالعلم، والعمل، والتخطيط. وإن ضياع الوقت لا يحرم الإنسان من نجاحه الشخصي فحسب، بل يحرمه أيضًا من أن يكون لبنة نافعة في بناء مجتمعه وأمته.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: كم ساعة مضت من عمرك هذا الأسبوع فيما ينفعك حقًا؟ وكم ساعة ذهبت فيما لا يضيف إلى علمك، ولا إلى دينك، ولا إلى مستقبلك شيئًا؟

إننا بحاجة اليوم إلى وقفة صادقة مع ذواتنا لنسأل أنفسنا: هل ما زلنا على مسار المجد الذي نصبو إليه؟

إن الطريق إلى استعادة التوازن يبدأ بالتفكر ومحاسبة الذات، فقد قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾. فالتفكر الواعي يحدد الوجهة الصحيحة، والإتقان هو ثمرة السير المنظم في تلك الوجهة. إنه يكشف لنا كيف استدرجتنا سفاسف الأمور لتسلبنا جوهرنا، ومن كان هذا حاله فليلهج بالدعاء النبوي الجامع: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل».

وليس المطلوب أن يحرم الإنسان نفسه من الراحة أو الترفيه، وإنما المطلوب أن يكون سيد وقته، لا أسيرًا له، وأن يجعل الترفيه وسيلة لتجديد النشاط، لا غاية تستنزف العمر وتستولي على أجمل سنواته.

إن هذا المقال ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو نداء للوعي ومراجعة الذات؛ لنرفع مستوى همتنا، ونضع أهدافًا تليق بقيمتنا ورسالتنا في الحياة.

وتذكر دائمًا أن طريق المجد محفوف بالبذل، والعمل، والمشقة، والصبر، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

فراجع مسارك، عزيزي القارئ، اليوم، وأحسن استثمار وقتك، فإن العمر رأس مال الإنسان، ولا يدرك المعالي إلا من جعل التفكر قبل الممارسة، والإتقان قبل النتيجة.

نوار بن دهري

NawarDehri@gmail.com

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “التآكل الهادئ للعمر!!

حسن حمزي

سعادة الدكتور الفاضل نوار بن دهري،

تلقينا ببالغ التقدير والامتنان مقالتكم الرصينة والملهمة، والتي جاءت كوقفة صدق وتشخيص دقيق لداء العصر الأكبر: “تبديد العمر في زحام التفاهة”.

لقد أبدعتم في نسج الكلمات، ورصّ الاستشهادات من محكم التنزيل، والسنّة النبوية المشرفة، وعيون الشعر العربي، لتصنعوا مقالاً لا يخاطب العقول فحسب، بل يوقظ الضمائر وينفض غبار الغفلة عن الهمم. شكراً لكم على هذا العطاء الفكري النبيل، وعلى هذا النداء الواعي الذي نرى فيه منارةً تُضيء الطريق لكل باحث عن معالي الأمور في زمن كثرت فيه الملهيات.

“إن اللصوص الأكثر خطورة في حياتنا اليوم لا يسرقون أموالنا، بل يسرقون أثمن ما نملك: ‘دهشتنا الأولى، وتركيزنا، ودقائق أعمارنا’.”

لقد وضع الدكتور نوار يده على الجرح الغائر لجيل “التمرير اللانهائي” حيث تحولت الشاشات الصغيرة إلى ثقوب سوداء تبتلع الطموحات والمشاريع المؤجلة. والمفارقة الإبداعية التي حملها المقال هي أن الفشل المعاصر لم يعد يأتي صاخباً، بل يأتي متخفياً في هيئة “تسلية بريئة”، حتى يتحول المرء من صانع لقصته الشخصية إلى مجرد مشاهد ومتابع لقصص الآخرين.

إن ما يدعو إليه الدكتور نوار ليس “الرهبنة الرقمية” أو حرمان النفس من الترويح، بل هو دعوة لـ “سيادة الوقت”. أن نتحول من “مستهلكين غافلين” إلى “مستثمرين واعين”. فكل دقيقة ننفقها في تصفح لا طائل منه، هي في الحقيقة اقتطاع مباشر من رصيد أحلامنا، ومن لبنات بناء أمتنا.

ومضة ملهمة من المقال:
إن السير نحو المجد يتطلب شجاعة “الرفض”، رفض الغرق في التفاصيل التي لا تصنع وعياً ولا تبني مستقبلاً. وكما تفضل الدكتور، فإن الإتقان والتفكر هما بوصلة النجاة. لنجعل من هذا المقال نقطة تحول، ونقطة انطلاق لترتيب الأولويات، فالعمر أقصر من أن نعيشه كـ “صدى” في حياة الآخرين، بل يجب أن نعيشه “أثراً” باقياً يمتد كعمرٍ ثانٍ بعد الرحيل.

ابدعت دكتور نوار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *