إن التقارير، على اختلاف أنواعها ومسمياتها وتنوع أهدافها، ذات أهمية كبيرة إذا اتسمت بالمصداقية والواقعية، لكنها تتأثر بمدى مصداقيتها، ودرجة الإحساس بالمسؤولية لدى مُعدِّها، ومعتمدها، ومستقبِلها أيضًا.
– فهي وسيلة اتصال بالغة الأهمية إذا أُحسن توظيفها، وكانت واضحة كالشمس في رابعة النهار، وكُتبت بنزاهة عالية، وحيادية تامة، وبأسلوب منظم تتكامل فيه مراحلها وأجزاؤها بشفافية ناصعة ومصداقية متناهية. كما ينبغي أن تناقش التفاصيل والإجراءات وآثارها إيجابًا وسلبًا، وأن تعرض واقع الأمر بعبارة موجزة ذات دلالة صادقة، خالية من حشو الكلام، أو الإحالة إلى أمور تقديرية، بل تصف الحالة وكأنها مرآة صافية تنقل الصورة وأبعادها بوضوح، لا تقبل التأويل، ولا يتطرق إليها الاحتمال، حتى لا يبطل بها الاستدلال.
– وكل ذلك لأنها تقدم معلومة مهمة لصاحب القرار، وتحكي واقعًا يحتاج إلى دعم وتطوير، أو إلى متابعة وتعديل، أو إلى إيقاف وتأمل ومراجعة، وربما إلى محاسبة. فهي تمثل العين المبصرة لصاحب القرار، والبوصلة التي تدله على اتخاذ القرار السليم، أو القرار الأمثل لكل حالة.
– لذا وجب على مُعدِّها أن يتحرى الصدق فيما يكتب، وأن يصف الأمر كما هو، ويعطي الموقف حقه من الاهتمام، فلا يضخمه، ولا يهوِّنه، ولا يجامل، ولا يتحامل، ولا يسوِّف، ولا يستعجل، ولا يفترض فرضيات موهمة، ولا يخمِّن، بل يصور الموقف بواقعية ومصداقية، وكأنه واقف على الصراط المستقيم المنصوب على متن جهنم، والجنة أمامه، وحتى يجتازه لا بد له من زاد، والمصداقية في التقارير زاد، وأيُّ زاد! لأنها تتعلق بحقوق الخلق، وتمس مصالحهم، بل مستقبلهم، وهذه حقوق مبنية على المشاحة.
– والقاعدة الشرعية تقول: يجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. وهذه مصالح عامة، والخطأ فيها مضاعف وخطير، وعقابه عظيم؛ فيجب أن يكون مُعدُّها على درجة كبيرة من الوعي، والإحساس بالمسؤولية، وليعلم أنه مؤاخذ بما عمل – كتابةً أو مشافهةً – في الدنيا والآخرة، فلا يكتب ولا يقول إلا ما يحب أن يراه حسنًا يوم القيامة.
– وعلى معتمد التقارير تقع مهمة مراجعتها، والتأكد من مصداقيتها، والوعي بأبعاد مسؤوليتها، والآثار المترتبة عليها، التي تمس مصالح المسلمين وحاجاتهم. وعليه أن يتصف بالشجاعة، فيعتمدها ولو كانت تُبيِّن قصورًا أو خللًا في إدارته، ما دامت صادقة؛ لأن الهدف الرئيس هو الإصلاح، وتمكين صاحب القرار من اتخاذ قراره بصورة سليمة، وفي الوقت المناسب.
– أما مستقبِل التقارير فلا يقل أهمية عن سابقيه، إن لم يكن أهم منهما. فعند وصولها إليه، إما أن يهملها، وهذا خطأ جسيم وحماقة عظيمة، وإما أن يعمل بها، وهنا تكون لها حالتان:
الأولى: أن يعمل بها كما وردت، دون تمحيص أو تدقيق أو مراجعة أو تثبت من صحتها ومصداقيتها، وهذا خطأ كبير وتدبير سقيم، كمن يسير في الاتجاه الصحيح، لكنه لا يتقن مسالكه، ولا يعلم أسهلها ولا أوعرها، بل يسير على ما وُصف له، أصوابًا كان أم خطأ.
الثانية: أن يتدبرها، ويختبر صدقها، ويتأكد من صحتها، وحتى يكون القرار صائبًا ومثاليًا، فقد يتطلب الأمر زيارة الجهة المعنية للوقوف على طبيعة الواقع، ومقابلة المعنيين؛ لتكون هناك تغذية راجعة، وإشعار للآخرين بأهميتهم، وأنهم مكوِّن مهم في صناعة القرار، وأنه يمكن محاسبتهم أو مكافأتهم وفق ما يقدمونه.
– وخلاصة القول: إن التقارير ذات أهمية كبيرة، ومنفعة عظيمة، إذا أُحسن إعدادها، وتم التعامل معها بوعي ومسؤولية. وهي، في المقابل، ذات خطر جسيم ومفسدة بليغة إذا أُهملت، أو لم يتم التعامل معها بمهنية رفيعة ومسؤولية عالية.
– فهي ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، إلا أنها سلاح ذو حدين؛ فإذا لم يُتنبَّه لها على النحو الذي ذكرتُه آنفًا، فإنها ستفسد أكثر مما تصلح، وتهدم ما يجب بناؤه، وتبني ما يجب هدمه، وتصبح وسيلة للتضليل والتجهيل، لا للهداية والإرشاد. وعندئذٍ يتسع الخرق على الراقع، ويصبح الناس في أمر مريج.
والله ولي التوفيق، والحمد لله رب العالمين.
حامد بن جابر السلمي
مدير عام التعليم بمنطقة مكة المكرمة سابقًا
جدة – ١ صفر ١٤٤٨هـ
مقالات سابقة للكاتب