هذه القصيدة ألقيتها في مركاز الأحبة الثقافي عندما زارت المركاز القناة الثامنة ضمن برنامج «فلان»، وقد تجاوز عدد مشاهدات المقطع، حتى الآن، في معظم المواقع التي نقلته عن القناة، خمسة ملايين مشاهدة، كما تجاوزت التعليقات والرسائل ثلاثة آلاف.
وكان اللافت أن معظم من علّقوا على القصيدة رأوا أنها تتحدث عن الخذلان، والتلاعب بالمشاعر، وتقديم المصالح على الوفاء، واللامبالاة في العلاقات الإنسانية. وقد أثار ذلك دهشتي، كما أثار دهشة كل من استمع إليها؛ إذ أجمع الجميع على أن رفع سقف التوقعات في زمنٍ قلّ فيه الأوفياء، وأصبحت المادة تتحكم في كثير من العلاقات، لا بد أن يقود في النهاية إلى خيبة أمل مؤلمة.
وقفت متأملًا، بل لا أبالغ إذا قلت: متحيّرًا، وتساءلت: ما الذي دفع إيليا أبا ماضي إلى نظم هذه القصيدة؟
ولم يطل بي التساؤل؛ فالإجابة كانت واضحة بين ثنايا الأبيات: إنه الخذلان… والنكران.
فالإنسان لا ينتظر من صديقه أو حبيبه أن يردّ الجميل بمثله دائمًا، وإنما ينتظر صدق المشاعر، والإخلاص في الود، والمحاولة الصادقة في الوفاء. أما اغتيال المشاعر، فهو من أقسى ما يواجهه الإنسان، لأنه يقتل العلاقة من جذورها، ويترك في النفس مرارة يصعب نسيانها.
وأتذكر أنني عندما ألقيت هذه القصيدة لأول مرة في المركاز، همس في أذني الأستاذ درويش صيرفي قائلًا:
«يا أبا ليلى، أقسم بالله أن هذه القصيدة تمثلني تمامًا، وكأن الشاعر اطّلع على علاقاتي مع الناس ثم كتبها.»
وهو تعليق يلخّص سرّ خلود هذه القصيدة؛ فهي قوية في معانيها، متينة في بنائها، بليغة في نظمها، مفعمة بالحكمة، حتى ليكاد كل من يقرؤها يجد فيها بيتًا يمثّل جانبًا من حياته وتجربته.
ولذلك يبقى إيليا أبو ماضي شاعرًا استثنائيًا، استطاع أن يعبّر عن الإنسان في كل زمان ومكان.
ويستهل قصيدته بهذه الأبيات الرائعة:
قالَت سَكَتَّ وَما سَكَتَّ سُدًى
أَعِيَ الكَلامُ عَلَيكَ أَم نَفِدا
*********
إِنّا عَرَفنا فيكَ ذا كَرَمٍ
ما إِن عَرَفنا فيكَ مُقتَصِدا
*********
فَأَطلِق يَراعَكَ يَنطَلِق خَبَبًا
وَاِحلُل لِسانَكَ يَحلُلِ العُقَدا
*********
ما قيمَةَ الإِنسانِ مُعتقِدًا
إِن لَم يَقُل لِلنّاسِ ما اِعتَقَدا
*********
وَالجَيشِ تَحتَ البَندِ مُحتَشِدًا
إِن لَم يَكُن لِلحَربِ مُحتَشِدا
وَالنورِ مُستَتِرًا…
ثم يجيبها بقوله:
ماذا يُفيدُ الصَوتُ مُرتَفِعًا
إِن لَم يَكُن لِلصَوتِ ثَمَّ صَدى
*********
وَالنورُ مُنبَثِقًا وَمُنتَشِرًا
إِن لَم يَكُن لِلنّاسِ فيه هُدى
*********
إِنَّ الحَوادِثَ في تَتابُعِها
أَبدَلنَني مِن ضِلَّتي رَشَدا
ثم يختم هذا المقطع ببيت يُعد من أجمل أبيات القصيدة، فيقول:
ما خانني فكري ولا قلمي
لكن رأيت الشعر قد كسدا.
وهنا لا يشكو الشاعر ضعفًا في موهبته، ولا عجزًا في قلمه، وإنما يشكو زمنًا لم يعد يُصغي للكلمة الصادقة، ولا يمنح الشعر مكانته التي يستحقها.
ثم يستطرد الشاعر في هذا الجزء من القصيدة، فيسترجع أيام الشباب، ويستحضر ذكرياتٍ كانت تملأ حياته أملًا وحيوية، فيقول:
كانَ الشَبابُ وَكانَ لي أَمَلٌ
كَالبَحرِ عُمقًا كَالزَمانِ مَدَى
*********
وَصَحابَةٌ مِثلُ الرِياضِ شَذًى
وَصَواحِبٌ كَوُرودِها عَدَدًا
إنه يرسم صورةً مشرقةً لمرحلة الشباب؛ مرحلةٍ كان الأمل فيها واسعًا كالبحر في عمقه، ممتدًا كالزمان في آفاقه، وكانت الصحبة عطرةً كرياضٍ يضوع منها الشذى، وكانت الوجوه من حوله تتفتح كالورود في ربيع الحياة.
ثم لا يلبث أن يصدم القارئ بخلاصة تلك المرحلة، بعد أن انقضت الأيام، وتبدلت الأحوال، فيقول متحسرًا:
لكنني لما مددت يدي
وأدرت طرفي لم أجد أحدًا.
إنه بيتٌ يختصر قصة حياة كاملة؛ فقد اجتمع فيه الألم، والخيبة، والخذلان، حتى أصبح من أشهر أبيات إيليا أبي ماضي، وأكثرها تداولًا بين الناس.
ثم يبحر بنا الشاعر، بل يغوص في أعماق العلاقات التي مرّت عليه، فيقول:
ذَهَبَ الصِبَا وَمَضَى الهَوَى مَعَهُ
أَصَبَابَةً وَالشَّيبُ قَد وَفَدَا
*********
فَاليَومَ إِن أَبصَرتُ غانِيَةً
أُغضي كَأَنَّ بِمُقلَتَيَّ رَمَدَا
*********
وَإِذا تُدارُ الكَأسُ أَصرِفُها
عَنّي وَكُنتُ أَلومُ مَن زَهِدَا
*********
وَإِذا سَمِعتُ هُتافَ شادِيَةٍ
أَمسَكتُ عَنها السَّمعَ وَالكَبِدَا
فبعد تلك السنوات الطويلة، وما حملته من تجارب، وما تركته الأيام من آثار الشيب والحكمة، لم يعد الشاعر يرى الدنيا بعين الشاب المتحمس، بل بعين الإنسان الذي خبر الحياة، واكتوى بنارها، فعرف حقيقتها.
ثم يبلغ ذروة اليأس من أحلامه القديمة، فيقول:
كَفَّنتُ أَحلامي وَقُلتُ لَها
نامي فَإِنَّ الحُبَّ قَد رَقَدَا.
وكأن الشاعر يعلن نهاية مرحلة كاملة من حياته؛ مرحلة كانت تعج بالأماني، والطموحات، وأحلام الشباب، ثم انتهت بما حملته الأيام من صدمات، فعاد العقل إلى موضعه، وانكشفت له حقائق الناس، وتقلبات الزمان.
ثم يصف أثر المصائب والخطوب عليه، فيقول:
وَقعُ الخُطوبِ عَلَيَّ أَخرَسَني
وَكَذا العَواصِفُ تُسكِتُ الغَرِدَا.
ويا لها من صورة بليغة؛ فكما تُسكت العاصفةُ الطائرَ المغرد، تُسكت المحنُ الإنسانَ البليغ، مهما أوتي من فصاحةٍ وبيان. وليس السكوت هنا رضا، وإنما هو أثر الصدمة حين تبلغ بالنفس مبلغًا يعجز معه اللسان عن التعبير.
ثم ينتقل إلى أول نماذج الخذلان، وهو صديقه عمرو، الذي أغدق عليه الوعود، وأقسم له بالوفاء، فقال:
عَمروٌ صَديقٌ كانَ يَحلِفُ لي
إِن نُحتُ ناحَ وَإِن شَدَوتُ شَدَا
*********
وَإِذا مَشَيتُ إِلَى المَنونِ مَشَى
وَإِذا قَعَدتُ لِحاجَةٍ قَعَدَا
*********
صَدَّقتُهُ فَجَعَلتُهُ عَضُدي
وَأَقَمتُ مِن نَفسي لَهُ عَضُدَا
لقد صدّق الشاعر تلك الوعود، حتى جعل من صديقه سندًا وعضدًا يعتمد عليه، وظن أنه وجد الصديق الذي لا يتغير، ولا يتخلى.
لكن الحقيقة كانت مختلفة، فلم يحتج الشاعر إلى أكثر من لحظة اختبار حتى اكتشف حقيقة تلك الوعود، فعاد يردد اللازمة التي أصبحت عنوانًا للقصيدة كلها:
لكنني لما مددت يدي
وأدرت طرفي لم أجد أحدًا.
وهنا تتجلى حكمة القصيدة؛ فليست المشكلة في كثرة الوعود، وإنما في صدق أصحابها. فكثيرون يجيدون الحديث عن الوفاء، لكن القليل هم الذين يثبتون عند الشدائد.
ومن هنا ينبغي للإنسان أن يكون فطنًا بصيرًا، فلا يخدع ببريق الكلمات، فليس كل بريقٍ ذهبًا، وليس كل من أكثر من الوعود صادقًا في الوفاء.
ولذلك، فإن من الحكمة ألا يرفع الإنسان سقف توقعاته في علاقاته بالآخرين؛ لأن الإفراط في التوقع كثيرًا ما يكون سببًا في شدة الخيبة إذا جاءت النتائج على غير ما يرجو.
وليس معنى ذلك أن يسيء الظن بالناس، وإنما أن يوازن بين حسن الظن وحسن التقدير، وأن يجعل ثقته مبنيةً على المواقف، لا على الأقوال، فإن الأيام وحدها هي التي تكشف معادن الرجال.
ثم يستطرد الشاعر، وكأن خذلان عمرو لم يكن كافيًا، فإذا بـ هند تكمل ما بدأه من جراح، فتضيف إلى قلبه خيبةً جديدة، وذكرى لا تزال تؤلمه كلما مرت بخاطره.
فيقول:
هِندٌ، وَأَحسَبُني إِذا ذُكِرَتْ
أَطَأُ الأَفاعِي أَو أَجُسُّ مُدًى
إنه تصوير بالغ القوة؛ فمجرد ذكر اسمها يجعله يشعر وكأنه يطأ الأفاعي، أو يتحسس حدَّ السكاكين، في إشارة إلى عمق الألم الذي خلّفته تلك العلاقة في نفسه.
ثم يسترجع ذكرياته معها، فيقول:
كَم زُرنَها وَالحَيُّ مُنتَبِهٌ
وَتَرَكتُها وَالحَيُّ قَد هَجَدَا
*********
وَلَكَم وَقَفتُ عَلَى الغَديرِ بِها
وَالرّيحُ تَنسُجُ فَوقَهُ زَرَدَا
*********
وَالأَرضُ تَرقُصُ تَحتَنا طَرَبًا
وَالشُّهُبُ تَرقُصُ فَوقَنا حَسَدَا
*********
وَلَكَم جَلَسنا فِي الرّياضِ مَعًا
لا طارِئًا نَخشَى وَلا رَصَدَا
*********
وَاللَّيلُ فَوقَ الأَرضِ مُنسَدِلٌ
وَالغَيمُ فَوقَ البَدرِ قَد جَمَدَا
*********
قَد كاشَفَتني الحُبَّ مُقتَرِبًا
وَشَكَت إِلَيَّ الشَّوقَ مُبتَعِدَا
يرسم الشاعر هنا لوحةً من أجمل لوحات الشعر الوجداني؛ لقاءات على ضفاف الغدير، وحديثًا يمتد حتى ينام الحي، وليالي يظلّلها السكون، ورياضًا يملؤها الأنس، حتى خُيِّل إليه أن تلك المشاعر ستبقى ما بقي العمر.
لكن النهاية جاءت كما جاءت من قبل، فعاد البيت الذي صار لازمةً تتكرر كلما انتهت قصة من قصص الوفاء المفقود:
لكنني لما مددت يدي
وأدرت طرفي لم أجد أحدًا.
وهنا يؤكد الشاعر أن الخذلان لا يقتصر على الصداقة، بل قد يمتد إلى العاطفة أيضًا، حين تكون الوعود أكبر من القدرة على الوفاء بها.
ثم ينتقل إلى دائرة أوسع، هي دائرة المجتمع والقوم، فيقول:
قَومي وَقَد أَطرَبتُهُم زَمَنًا
ساقوا إِلَيَّ الحُزنَ وَالكَمَدَا
*********
هُم عاهَدوني إِن مَدَدتُ يَدي
لَيَمُدَّ كُلُّ فَتًى إِلَيَّ يَدَا
*********
قالوا: غَدًا تَهمِي سَحائِبُنا
فَرَجَعتُ أَدراجي أَقولُ: غَدَا
*********
وَظَنَنتُ أَنّي مُدرِكٌ أَرَبي
إِن غارَ تَحتَ الأَرضِ أَو صَعَدَا
*********
فَذَهَبتُ أَمشي فِي الثَّرى مَرِحًا
ما بَينَ جُلّاسي وَمُنفَرِدَا
*********
تيهَ المُجاهِدِ نالَ بُغيَتَهُ
أَو تيهَ مِسكينٍ إِذا سَعِدَا
لقد وثق بقومه، واطمأن إلى وعودهم، وعاد وهو يظن أن ساعة الفرج قد اقتربت، وأنهم سيكونون عونًا له عند الحاجة، لكنه لم يجد من تلك الوعود شيئًا حين جاء وقت الوفاء.
فعاد يردد، للمرة الثالثة:
لكنني لما مددت يدي
وأدرت طرفي لم أجد أحدًا.
إن تكرار هذا البيت لم يكن تكرارًا لفظيًا، بل تكرارًا لمشهدٍ إنساني يتكرر في الحياة؛ فالأشخاص يتبدلون، لكن الخيبة واحدة.
ثم يبلغ الأمر ذروته، حين يعاتبهم ويواجههم بما فعلوا، فيقابلون نصحه بالتهديد والوعيد، فيقول:
هُم هَدَّدوني حينَ صِحتُ بِهِم
صَيحاتِيَ الشَّعواءَ مُنتَقِدَا
*********
وَرَأَيتُ في أَحداقِهِم شَرَرًا
وَرَأَيتُ في أَشداقِهِم زَبَدَا
*********
وَسَمِعتُ صائِحَهُم يَقولُ لَهُم
أَنِ اقتُلوهُ حَيثُما وُجِدَا
*********
فَرَجَعتُ أَحسَبُهُم بَرابِرَةً
في مَهمَهٍ، وَأَظُنُّني وَلَدَا
*********
مَرَّت لَيالٍ ما لَها عَدَدٌ
وَأَنا حَزينٌ باهِتٌ كَمَدَا
*********
أَرتاعُ إِن أَبصَرتُ واحِدَهُم
ذُعرَ الشُّوَيهَةِ أَبصَرَت أَسَدَا
*********
وَإِذا رَقَدتُ رَقَدتُ مُضطَرِبًا
وَإِذا صَحَوتُ صَحَوتُ مُرتَعِدَا
ثم يعود للمرة الرابعة إلى اللازمة المؤلمة:
لكنني لما مددت يدي
وأدرت طرفي لم أجد أحدًا.
ويختتم الشاعر قصيدته بحكمة مُرّة، بعد أن فقد ثقته بمن حوله، فيقول:
لا تَذكُروهُم لي وَإِن سَأَلوا
لا تَذكُروني عِندَهُم أَبَدَا
*********
لا يَملَأُ السِّربالَ واحِدُهُم
وَلَهُ وُعودٌ تَملَأُ البَلَدَا
*********
يا لَيتَني ضَيَّعتُ مَعرِفَتي
مِن قَبلِ أَعرِفَ أَحَدَا
إنها خاتمة تختزل تجربة إنسان رأى من تقلبات الناس، ونقض العهود، وخذلان الأصدقاء، ما جعله يتمنى لو أنه لم يعرف أحدًا، حتى لا يتجرع مرارة تلك الخيبات.
ومع ذلك، فإن القصيدة لا تدعو إلى اليأس من الناس، ولا إلى اعتزال المجتمع، وإنما تحذر من المبالغة في الثقة، ومن بناء الآمال على الوعود وحدها، وتدعو إلى أن تُبنى العلاقات على المواقف الصادقة، لا على الكلمات المنمقة.
لقد أجاد إيليا أبو ماضي في هذه القصيدة أيما إجادة، ووضع إصبعه على جرحٍ إنساني لا يختص بزمانٍ دون زمان، ولا بمجتمعٍ دون مجتمع؛ فالخذلان، ونكران الجميل، وخيبة الرجاء، مشاعر عرفها الناس في كل عصر.
ولهذا بقيت قصيدة «لم أجد أحدًا» حيّة في الذاكرة، يرددها كل من مرّ بتجربة مشابهة، ويجد في أبياتها شيئًا من حكايته، وكأن الشاعر لم يكن يكتب عن نفسه وحده، بل كان يكتب عن الإنسان، حين يصطدم بواقعٍ لا يشبه أحلامه.
إبراهيم يحيى أبو ليلى
مقالات سابقة للكاتب