لسنواتٍ طويلة، كانت الأسرة والمجتمع والمدرسة هي المصادر الرئيسة التي تُشكِّل شخصية الطفل وتصوغ منظومته القيمية. أما اليوم، فقد دخل لاعبٌ جديد إلى هذه المعادلة؛ لا يستأذن أحدًا، ولا يغادر منازلنا، بل يرافق أبناءنا في جيوبهم وعلى شاشاتهم لساعاتٍ طويلة. إنه عالم الخوارزميات.
في الماضي، كان انتقال الثقافات بين المجتمعات يحدث ببطء، أما اليوم فقد أصبحت الحدود الجغرافية شبه معدومة أمام المحتوى الرقمي. فكل فيلم، وكل مسلسل، وكل لعبة إلكترونية، وحتى المقاطع القصيرة على منصات التواصل الاجتماعي، ليست مجرد وسائل للترفيه، بل تحمل في داخلها منظومةً من القيم، وأنماط التفكير، والعادات، وطريقة النظر إلى الحياة. فهي نتاج البيئة التي صُنعت فيها، وتعكس ثقافة المجتمع الذي أنتجها، سواء كان ذلك مقصودًا أم غير مقصود.
ولعل ما تنبأ به المفكر الكندي مارشال ماكلوهان، عندما تحدث عن مفهوم “القرية العالمية”، أصبح اليوم واقعًا نعيشه بكل تفاصيله، ولكن بصورةٍ أعمق مما تصور. فلم يعد العالم متصلًا بالمعلومات فحسب، بل أصبح متداخلًا ثقافيًا إلى درجةٍ يتلقى معها الطفل يوميًا رسائل، وقيمًا، وأنماطًا سلوكية من مجتمعات قد تختلف جذريًا عن بيئته وهويته الوطنية.
ولا تكمن المشكلة في التعرف إلى الثقافات الأخرى؛ فالانفتاح والاطلاع من سمات المجتمعات الواعية، وإنما تكمن في غياب الوعي، خصوصًا لدى الأطفال والناشئة. فالطفل لا يمتلك القدرة الكافية على التمييز بين ما يناسب بيئته وما لا يناسبها، فيتلقى الرسائل الثقافية كما هي، ثم تتراكم في وعيه تدريجيًا حتى تصبح جزءًا من شخصيته، دون أن يشعر هو، أو يلاحظ والداه، أن عملية التغيير تحدث ببطء شديد.
ولا تقف المسألة عند المحتوى الذي يصل إلى الطفل أو الشاب، بل تمتد إلى الآلية التي تختاره له. فالخوارزميات لا تعمل وفق معايير تربوية، أو أخلاقية، أو ثقافية، وإنما وفق معادلة واحدة: جذب الانتباه وإطالة مدة البقاء على المنصة. فهي تتعلم ما يثير اهتمام المستخدم، ثم تواصل ضخ المزيد من المحتوى المشابه، بغض النظر عن مدى توافقه مع قيمه أو هويته أو حتى مصلحته. ومع مرور الوقت، يجد الإنسان نفسه محاطًا بنمط فكري وثقافي واحد، يتكرر أمامه باستمرار حتى يظنه الصورة الطبيعية للعالم.
وهنا تكمن الخطورة؛ فهذه الخوارزميات لا تتوقف عن محاولة جذب المستخدم، ولا يعنيها من يكون، ولا إلى أي مجتمع ينتمي، ولا ما هي قيمه أو أهدافه. إنها تبحث فقط عن الوسيلة الأكثر فاعلية للاحتفاظ بانتباهه؛ لأن بقاءه مدةً أطول يعني نجاحها في تحقيق الغاية التي صُممت من أجلها. ولهذا، فإن حماية الأبناء لم تعد تقتصر على مراقبة المحتوى، بل أصبحت تتطلب فهمًا لطبيعة هذه الخوارزميات، وكيف تعيد تشكيل الاهتمامات والميول والقناعات بصورةٍ تدريجية يصعب ملاحظتها في بدايتها، لكنها قد تُحدث تغيرات عميقة مع مرور الزمن.
ومن هنا تبدأ الفجوة بالاتساع؛ إذ يجد الشاب نفسه متبنيًا قيمًا لا تنتمي إلى مجتمعه، ومدافعًا عن أفكار لم تنشأ في بيئته، فيدخل في صراع بين ما يؤمن به وما يفرضه عليه واقعه الاجتماعي. وقد لا يدرك سبب هذا الشعور بالاغتراب، لكنه يشعر بأنه مختلف عن محيطه، وأن مجتمعه لا يفهمه، بينما يراه المجتمع بعيدًا عن هويته. ومن هنا تبدأ سلسلة من التحديات النفسية والاجتماعية التي قد تقوده إلى العزلة، أو ضعف الانتماء، أو رفض كثير من القيم التي نشأ عليها.
والأخطر أن هذه التحولات تحدث بصمت. فلا توجد لحظة واحدة يمكن للأب أو الأم أن يقولا فيها إن التغيير بدأ الآن، بل هو تراكم يومي صغير، حتى تصبح النتيجة كبيرة. ولهذا فإن كثيرًا من الأسر لا تدرك حجم المشكلة إلا بعد أن تتشكل الشخصية، وتترسخ القناعات، ويصبح تغييرها أكثر صعوبة.
ومن هنا، لا أرى أن الحل يكمن في المنع الكامل أو في عزل الأبناء عن العالم، فهذا لم يعد ممكنًا في عصر أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. وإنما يبدأ الحل بالوعي؛ وعي الأسرة بأن كل ما يدخل عقل الطفل يسهم في بناء شخصيته، وأن الرقابة اليوم لم تعد تعني المنع بقدر ما تعني المتابعة، والحوار، والاختيار الواعي للمحتوى، وغرس القيم التي تمنح الطفل القدرة على التمييز بين ما ينسجم مع هويته وما يتعارض معها.
لقد تربت الأجيال السابقة في مجتمعات أكثر انغلاقًا، وكانت مصادر التأثير محدودة، أما اليوم فإن أبناءنا يعيشون في عالم مفتوح بلا حدود، حيث تتنافس آلاف الرسائل على كسب انتباههم وتشكيل وعيهم. وهذا يفرض على الأسرة مسؤولية أكبر من أي وقت مضى؛ لأن بناء الهوية لم يعد يحدث تلقائيًا كما كان في السابق، بل أصبح يحتاج إلى جهد واعٍ ومقصود.
إن أخطر ما في هذه القضية أنها جديدة، وسريعة، وعميقة الأثر، حتى إن كثيرًا من المجتمعات لا تزال تحاول فهم أبعادها. لكن يبقى المبدأ ثابتًا: الوقاية خير من العلاج. فكل جهد يُبذل اليوم في بناء الأساس القيمي والفكري للطفل سيختصر على الأسرة والمجتمع كثيرًا من المعاناة في المستقبل. فالهوية لا تُحمى بعد أن تضيع، وإنما تُبنى منذ البداية، لبنةً بعد أخرى، حتى يصبح الإنسان قادرًا على الانفتاح على العالم بثقة، دون أن يفقد ذاته، أو يتخلى عن قيمه، أو ينسلخ عن هويته الوطنية.
مقالات سابقة للكاتب