هذا الطائر الصغير نهى رسول الله ﷺ عن قتله، وقد ذكره الله تعالى في القرآن الكريم في قصة نبيه سليمان عليه السلام، حيث كان سببًا في نقل خبر قوم سبأ، الذي انتهى بدعوتهم إلى توحيد الله تعالى.
قال الله تعالى عن سليمان عليه السلام:
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
ومن أعظم فضائل الهدهد
أنه غيور على التوحيد، فقد جاء من أرض سبأ يحمل خبر قومٍ يسجدون للشمس من دون الله، فأنكر ذلك، وعلم أن السجود عبادة لا تصرف إلا لله سبحانه وتعالى.
ومن الناس اليوم من يصرف بعض أنواع العبادة لغير الله؛ فيطلب الغوث، أو الرزق، أو الولد، أو الشفاء، أو نزول الغيث من المخلوق، وهذا كله لا يجوز، لأن هذه الأمور لا يقدر عليها على الحقيقة إلا الله عز وجل.
لقد عرف الهدهد ربه الخالق، الرازق، المحيي، المميت، الشافي، الذي لا إله غيره ولا رب سواه، فغار على دين الله، وأنكر على قوم سبأ سجودهم للشمس، وعرف أن الله وحده هو المستحق للعبادة.
سبحان الله! طائر لا يملك من العقل ما يملكه الإنسان، ومع ذلك اهتز لما رأى قومًا يعبدون غير الله، فأين البشر المكلَّفون الذين شرَّفهم الله بالعقل، وأنزل عليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل؟
لقد هداه الله إلى الفطرة السليمة، وحب الخير للناس، ويظهر من القصة أنه عاد بخبرٍ عظيم كان سببًا في دعوة قوم سبأ إلى التوحيد.
وما أحسن أدبه مع نبي الله سليمان
لم يقل لسليمان عليه السلام: أخطأت، وإنما قال بأدب: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾.
ولم يطلب أجرًا، ولا جاهًا، ولا منزلةً أو ولايةً، وإنما أدى رسالته بإخلاص، فكان داعيةً موفقًا.
وما أجمل أدب نبي الله سليمان عليه السلام
فعلى الرغم مما آتاه الله من الملك والنبوة والعلم، لم يمنعه ذلك من الإصغاء إلى ما جاء به الهدهد، بل استمع إليه، ثم تحقق من خبره، فقال:
﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
وهذا درس عظيم في قبول الحق، والتحقق من الأخبار، مهما كان مصدرها.
إن الدعوة إلى الله لا يشترط لها شهادة عليا، وإنما تحتاج إلى علمٍ فيما يدعو إليه صاحبها، وإخلاصٍ لله، وحكمةٍ في الدعوة، وقد قال النبي ﷺ:
«بلِّغوا عني ولو آية».
والهدهد لم يقل: ما شأني؟ بل حمل همَّ الدعوة، وسعى في إيصال الخير، فكان سببًا في هداية أمة بأكملها إلى عبادة الله وحده.
فلو حملنا شيئًا من غيرة الهدهد على التوحيد، وحرصه على هداية الناس، لأثمرت دعوتنا خيرًا كثيرًا، بإذن الله، وانتشر الخير، وعظمت شعيرة التوحيد بين الناس.
فيا ليت شعري… من يسبق الهدهد اليوم في طريق الدعوة، وإيصال الخير إلى الناس؟
مقالات سابقة للكاتب