قراءة في الذاكرة
“ليست بعض الأسماء مجرد أشخاص مروا في حياتنا؛ بل هي فصول من ذاكرة المكان، وعناوين لمرحلة من العمر. فإذا غاب أصحابها، بقيت آثارهم شاهدةً عليهم، وبقيت الكلمات تبحث عنهم كلما أقبلت الذكرى.”
واليوم أعيد نشر هذه المرثية، لا استدعاءً لأحزانٍ مضت، وإنما وفاءً لرجل كان جزءًا من ذاكرة مجتمعنا، وأسهم بحضوره وسيرته في رسم ملامح زمن جميل؛ فالرجال يرحلون، لكن مواقفهم النبيلة، وأخلاقهم، وأثرهم في الناس، تبقى ما بقي من يرويها ويستحضرها.
النص
ليست يومًا من عمر الزمن، وليست ورقةً في التقويم، بل هي إحدى مواعيد الغياب الكبرى التي تفاجئنا دون سابق إنذار؛ فلا نطيق استيعابها، وندخل في حالة من عدم التوازن، وكأننا لا نعرف أن المكان سيخلو منا أيضًا، وأننا سنرحل، ولن يمكث منا غير شتاتٍ في ذاكرة الوجدان والوعي، يتناقص كالظلال.
حزم أبو ياسر حقائب الرحيل على عجل، ولم يخبرنا؛ فنفزع إلى البكاء المحتشم، ونسلِّم أنفسنا للحزن، ونبتكر لغةً للذهول والفجيعة.
يطل عليك أبو ياسر، ويملأ الباب؛ فيشعُّ حضوره في المكان كحزمة ضوء، عاديًا، كأنما صحا من النوم، ودلف إليك متعجلًا، حتى إنه لم يتمكن من إحكام أزراره. بسيطًا، يفتتح مجيئه بدعاء أو مشاغبة مع أحد الحاضرين، وعادةً ما تكون من نصيب أخيه عبدالهادي. ثم يجلس حيث يريد، لا حيث يفرغ له المكان الذي يراه الحاضرون مناسبًا.
ويحضر الاحتفال، فيتألق المكان، ويضفي عليه جوًّا من المرح والبهجة، في صورة ليست دخيلة ولا مصطنعة، صورة تتناغم مع المشهد، وليست نشازًا. صورةٌ في غيابها ينتابك شعورٌ بفقد ملمح من شخصيته.
ويزهو كفارس إذا تقدم الزامل وعُرض؛ فيحتويك في مرحه، ويحتويك في بهاء حضوره ورجولته، ويبقى هو هو، في الحالتين، ذلك المركب الشخصي المتفرد.
هو لا يعبأ بك، ليس قصورًا، ولا تكبرًا، ولا جهلًا بقيمتك؛ إنما لنظافة روحه يرى الآخرين إخوةً من خاصته وأصفيائه، فيغمرهم بحسن الظن وسخاء القرابة. لكن ما إن يلتفت إليك حتى يبادرك بابتسامة، ودعاء، ونظرة تُشربُك الشوق.
وتتجاوز هذه النفس الرضية الأقربين، لتغطي كل مساحات العلاقة مع المجتمع، دون فئوية أو عنصرية. ولعمري، إنها إحدى أهم السجايا التي ورثها من والده ـ رحمهما الله ـ؛ فلا يحقد، ولا يحسد، ولا يحمل في ذاكرته إلا المواقف الممتعة، والطرافة، والذكر الحسن، وكل ما هو سار.
يقول الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم
الجود يفقر والإقدام قتّال
كأنما قيل هذا البيت لمثل أبي ياسر؛ فهو حاتميُّ البذل، حتى لتنطبق عليه مقولة الشاعر: «الجود يفقر». ولم يسأل يومًا: أيفقر الجود حقًا؟ لأن الله أراد له خيرًا، فقدَّر رزقه، وقاده إلى مطارح البذل ومظانه؛ فعاش سيدًا… ولم يشقَ.
يملأ المجلس إن حضر، ويفهم الحاضرون حجم مكانته، فيصغون إليه، ولا يردون له رأيًا؛ لأنهم يفهمون بياض سريرته، ونقاء قلبه، وصدق توجهه.
طغت شهرته حتى قاربت صيت أبيه ـ رحمهما الله ـ، وأثنى عليه من عاشره، وسمع عنه من خاصة القوم حتى عامتهم.
وحتى نعرف قيمة هذه الشخصية، وحظها من عزم الإرادات، علينا أن نعي أن الرجل مرَّ بانكسارات في مسيرته، لو تعرض لها غيره، لتركته كسيرًا، مصابًا بعاهة الانزواء، والاستسلام، والحقد، والحسد.
فقد كان على درجة أدنى من التعليم والمال، في أسرةٍ كان إرثها الدين والعلم، وشاغلها المساهمة في التنمية، ويسرها المالي ضمن لها الاكتفاء.
لكنه تجاوز كل هذه الصعوبات، واستقل بشخصية صنعها هو لذاته، موازيةً لتاريخ الأسرة ومكملةً له. ومن الممكن أن نقول، في اطمئنان، إنه أضاف، رغم غياب عوامل المساندة، وإن الأسماء مرهونة بدلالاتها.
وسيبقى على بوابة الذاكرة، يحضر دون استدعاء، ويسعفك في تقبل الحياة دون مجاهدة، ودون يأس… وكيف تعيش كبيرًا، وتلهو كطفل!
لم يكن الأقدمون يهتمون كثيرًا بالزمن؛ كانوا يؤرخون الأحداث بالكوارث، وأحسب أنهم أبعد رؤية، كأنما:
الميلاد والموت = الحضور والغياب.
حادثان خارج النسق المعرفي.
لكننا هنا لا نؤرخ لربط الزمن بالذاكرة، بل لأن الراحل يكرر حضوره المعنوي في عيون الرائين، وقلوب المحبين، وحكايا الشاكرين.
تستدعيه المخيلة بأفعاله ومنطوقه، فيتحدث الصحاب عنه حديث الساعة، كأنما غادر مجلسك، ولم يتلاشَ ظله.
رحل أبو ياسر…
وبعد رحيله غدوت أصدق كل شيء، ولم أكن كذلك. وحوَّلت كل تذاكري إلى وجهة واحدة. كنت أريد لهذا الإيمان أن يُمتحن، وألا يغافلني يقيني، ويشرد بي عبر متاهات الأسئلة.
أوحشتني يا صديقي القديم…
لا تزال الأيام ممتلئة بشغفي إليك. سلِّم لي على كل الراحلين من أهلنا، وقل لهم: إننا نستبطئ قدومهم من كهوف الغيم، ولم يعد أمامنا متسعٌ كبيرٌ للراحة.
لقد توسعت منافذ الحنين، وامتلأت قلوبنا بالثقوب، وتجددت ينابيع مشاعرنا، وتفتحت مخازن الذاكرة المنسية.
كل الأشياء يبلى أثرها، عدا عبدالقادر، وإطلالته، وضحكته، وحديثه، وترحيبه، وتسبيحه؛ ذلك العزيز الذي نختلف معه، لكننا لا نختلف عليه.
صباح الخير يا هذا العالم…
ليس لنا معك ثارات ولا مصالح؛ فلماذا اخترته، وكان خيارنا؟!
نحن لم نتعافَ، ولم نتجاوز هذا الرحيل، وكأن مشاعرنا تُجدِّد ينابيعها، لتفيض بالحزن والحنين، وأفراحنا المسروقة.
ولم نعد نجد أحدًا من الرفاق.
“لقد أصبحنا نشبه الأحياء القديمة، بنوافذها المحطمة، وأبوابها التي أشرعت للريح.”
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب