بين الحين والآخر تتردد أخبار عن فرص استثمارية عقارية في الدمام والخبر بأسعار تقل كثيرًا عن نظيراتها في الرياض، فيتساءل البعض: هل هي فرصة استثمارية استثنائية، أم أن انخفاض السعر يحمل دلالةً لا يقرأها إلا المستثمر المحترف؟
من وجهة نظري، تبدأ الإجابة من قاعدة استثمارية بسيطة: عندما تغيّرت وجهة السائح… تغيّرت بوصلة المستثمر.
فالمستثمر التقليدي ينظر إلى السعر، بينما المستثمر المحترف يقرأ حركة الإنسان؛ لأن العقار يتبع الإنسان، والإنسان يتبع جودة الحياة.
قبل نحو أربعين عامًا، كانت الدمام والخبر الوجهة السياحية الأولى لأهالي الرياض والأحساء والمحافظات المجاورة، في وقتٍ كان السفر السياحي إلى البحرين محدودًا. لذلك ازدهر الاستثمار في الأراضي، والشقق، والفلل، والعمائر، والشاليهات، وكان الطلب يفوق العرض، حتى أصبحت المدينتان من أبرز الأوعية الاستثمارية العقارية في المملكة.
ومع مرور السنوات، توسعت حركة السفر إلى البحرين، وأصبحت الوجهة المفضلة لسكان المنطقة الشرقية أيضًا، بل إن بعض العاملين في الشركات الكبرى فضّلوا السكن في البحرين والتنقل يوميًا إلى أعمالهم في الدمام والخبر، الأمر الذي غيّر تدريجيًا أنماط السكن والطلب العقاري.
لكن التحول الأكبر جاء مع إطلاق رؤية المملكة 2030، حيث تحولت الرياض من مدينة أعمال إلى مدينة متكاملة تجمع الاقتصاد، والسياحة، والترفيه، والثقافة، وجودة الحياة، وأصبحت تستقطب السكان، والزوار، والاستثمارات بوتيرة غير مسبوقة. ولم يعد سكان الرياض بحاجة إلى السفر إلى المنطقة الشرقية بحثًا عن الترفيه كما كان في السابق، بل أصبحت الرياض نفسها وجهةً يقصدها سكان مختلف مناطق المملكة، بما في ذلك المنطقة الشرقية.
ومن خلال متابعتي للسوق، أرى أن ارتفاع المعروض في عدد من المنتجات العقارية في الدمام والخبر منح المشترين خيارات أوسع، وقوة تفاوضية أكبر، وهو ما انعكس على مستويات الأسعار وسرعة تصريف بعض المنتجات العقارية، في الوقت الذي واصلت فيه الرياض استقطاب الطلب، مدعومةً بالنمو السكاني، والمشروعات العملاقة، واتساع النشاط الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الرياض ستظل – حتى عام 2030 – صاحبة النصيب الأكبر من الفرص الاستثمارية العقارية، بينما يحتاج الاستثمار في بقية المدن إلى دراسة دقيقة لكل أصل عقاري على حدة، بعيدًا عن المقارنات التقليدية أو إغراء انخفاض الأسعار.
وتقول بوصلة ذئب العقار: لا تستثمر في المكان الذي كان الناس يقصدونه بالأمس، بل استثمر في المكان الذي سيقصدونه غدًا؛ فالحنين يصنع الذكريات، أما الثروة فيصنعها استشراف المستقبل.
ويبقى السؤال للمستثمر المحلي والأجنبي: إذا كنت تستثمر للمستقبل… فأين ترى بوصلة استثمارك خلال السنوات العشر القادمة: الرياض أم مدينة أخرى؟
مقالات سابقة للكاتب